وهكذا يبدو من هذه الآية الكريمة أن السُّخرية من قَبيل الفسوق في نظر الإسلام إذا كان الساخِر قاصِدًا إيذاءَ المَسخور منه. ويَخرج من هذا الحكم ما إذا كان مازِحًا ويَعلم المسخور منه أنه مازِح. لكن يبقَى على كل حال أن السُّخرية من الغير هي سلوك غير مُباح.
هل ينطبق حكم السُّخرية على أسلوب الكاريكاتور المُصَوِّر في الصحف والمِجلات اليوم؟
لا شكّ أن التصوير الكاريكاتوري الشائع في الجرائد والمِجلات، وفي الصحافة بوجه عام هو فنٌّ خاص ليس مُرادفًا للسخرية بمعناها المشروح آنِفًا، ولو أنّ بعض الصحفيين يُسمِّيه: الصحافةَ الساخِرة.
ذلك أن فنَّ الرسم الكاريكاتوري يقوم على أساس تَضخيم بعض الخَصائص في خِلقة الشخص وهيئته للدلالة على شخصه بصورة فيها شيء من الهَزل. وربَّما لا يقصد بها معنى الإيذاء، بل مجرّد تعبير هزلي. والهَزْل غير السُّخْرية، فإنّ السُّخْرية تُوحي بالذَّمِّ بينما الهزل لا يُوحي بأي ذمِّ، ولكن يُراد به الفُكاهة في التّعبير، مثل المِزاح بين الأصدقاء. فالكاريكاتور التصويريّ يُستعمل في حالات التعبير بوجه عام للدلالة على الشّخص بالصورة التي تُجَسِّم بعض خصائص هيئته وطبيعته.
فلا يأخذ الكاريكاتور حكم السُّخرية، ولا سيِّما إذا أصبح مألوفًا في الصّحافة كما عليه حاله اليوم في التصوير التعبيري، لكن قد يكون الكاريكاتور في بعض الحالات والقرائن دالًّا على معنى السُّخْرية والطَّعن والذَّمِّ فيأخذ عندئذٍ حكمَها.
الضابط الشرعي:
نخلُص من ذلك إلى أن السُّخْرية الحقيقيّة هي دائمًا أسلوب مَمقوت بالنظر الشرعيّ الإسلاميّ لا ينبغي للمُسلم أن يَلجأ إليه في سلوكه التّعبيري.
أما الكاريكاتور التصويري الهازِل فلا بأسَ به بحسب المَقصود به كما أوضحت، إذا لم تدُلّ القرائنُ على أن المُراد به السخرية والاستهزاء، وإنما هو مُجرّد تعبير هزلي للفُكاهة لا غيرَ.
هذا ما يبدو لي والله سبحانه أعلم..
مصطفى أحمد الزرقا