فهرس الكتاب
صَحِبْتَنِي وَقَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ: قَالَ لِي أَبُو قِلَابَةَ: يَا أَيُّوبُ الْزَمْ سُوقَكَ فَإِنَّ الْغِنَى مِنَ العافية" [1] "
وفي قول عمر رضي الله عنه:"مكسبة فيها بعض الدناءة خير من مسألة الناس."أي أن العبد ينبغي له أن يتكسب ويعمل ولو كان في عمله مشقة وامتهان لنفسه، فإن هذا خير من مسألة الناس، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن مسألة الناس، فعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ: «لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللهَ، وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ» [2]
(1) - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (18/ 330) صحيح
(2) - صحيح مسلم (2/ 720) 103 - (1040) وصحيح البخاري (2/ 123) (1474)
[ش (مزعة لحم) أي قطعة قال القاضي قيل معناه يأتي يوم القيامة ذليلا لا وجه له عند الله وقيل هو على ظاهره فيحشر ووجهه عظم لا لحم فيه عقوبة له وعلامة له بذنبه حين طلب وسأل بوجهه]
"مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ") أَيْ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ بِلِسَانِ الْقَالِ أَوْ بَيَانِ الْحَالِ"حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ"بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا مَعَ سُكُونِ الزَّايِ بَعْدَهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ وَحُكِيَ فَتْحُ الْمِيمِ أَيْضًا وَالضَّمُّ هُوَ الْمَحْفُوظُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ أَيْ قِطْعَةٌ يَسِيرَةٌ مِنَ اللَّحْمِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا جَاءَ لَهُ وَلَا قَدْرَ، مِنْ قَوْلِهِمْ لِفُلَانٍ وَجْهٌ فِي النَّاسِ أَيْ قَدْرٌ وَمَنْزِلَةٌ أَوْ يَأْتِي فِيهِ وَلَيْسَ عَلَى وَجْهِهِ لَحْمٌ أَصْلًا إِمَّا عُقُوبَةً لَهُ وَإِمَّا إِعْلَامًا بِعَمَلِهِ اهـ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ عَلَامَةً لَهُ يَعْرِفُهُ النَّاسُ بِتِلْكَ الْعَلَامَةِ أَنَّهُ كَانَ يَسْأَلُ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا فَيَكُونُ تَفْضِيحًا لِحَالِهِ وَتَشْهِيرًا لِمَا لَهُ وَإِذْلَالًا لَهُ كَمَا أَذَلَّ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا وَأَرَاقَ مَاءَ وَجْهِهِ بِالسُّؤَالِ، وَمِنْ دُعَاءِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: اللَّهُمَّ كَمَا صُنْتَ وَجْهِي عَنْ سُجُودِ غَيْرِكَ فَصُنْ وَجْهِي عَنْ مَسْأَلَةِ غَيْرِكَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 1309)
أي ما يزال الرجل المتسول يكثر من التسول ويلحّ في سؤال الناس عن غير عوز وفاقة، وإنما يسأل تكثراً ويذل نفسه ويمتهن كرامته التي أوجب الله عليه صيانتها.
فيغضب الله عليه فيذله ويهينه يوم القيامة كما أذل نفسه في الدنيا، ويفضحه على رؤوس الأشهاد، فيسلخ له وجهه كله، حتى يأتي أمام الناس وليس في وجهه قطعة لحم جزاءً وفاقاً لما فعله في الدنيا من إراقة ماء الوجه،"وقال: إنّ الشمس تدنو يوم القيامة"أي تقترب من رؤوس العباد، ويشتد حرها، فيعرقون"حتى ييلغ العرق نصف الأذُن"فإذا وقع ذلك كان أذاها لمن لا لحم في وجهه أشد وألمها أقوى وأعظم، كما أفاده القسطلاني،"فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد"أي ذهبوا إلى الأنبياء السابقين من آدم إلى نوح إلى عيسى يلتمسون منهم الشفاعة لفصل القضاء، فلم يشفعوا لهم، فذهبوا إلى سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -،فشفّعه الله في خلقه.
فقه الحديث: دل الحديث على تحريم السؤال على الغني تكثراً، لأن هذا الوعيد لا يترتب إلاّ على معصية، وقد توعد الله المتسول تكثراً بسلخ وجهه يوم القيامة، كما أراق ماء وجهه في الدنيا، والجزاء من جنس العمل، لأن السؤال مذلة، والله لا يرضى للمسلم أن يعرّض نفسه لهذه المهانة إلاّ لضرورة. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (3/ 48)