فهرس الكتاب

الصفحة 1047 من 1902

ولا تدفع الزكاة إلى غني أو قوي مكتسب، فعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلَانِ: أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهُوَ يُقَسِّمُ الصَّدَقَةَ، فَسَأَلَاهُ مِنْهَا، فَرَفَعَ فِينَا الْبَصَرَ وَخَفَضَهُ، فَرَأَىنَا جَلْدَيْنِ، فَقَالَ: «إِنَّ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» رواه أحمد. [1]

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فِي إِسْنَادِهِ، فَوَجَدْنَا فِيهِ عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ قَوْمِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيٍّ لَمْ يُسَمِّهِمَا، فَيُعْلَمُ بِذَلِكَ أَنَّهُمَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَيَجِبُ قَبُولُ مَا رَوَيَا، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَا مِنْ أَصْحَابِهِ وَكَانَا مِنَ الْأَعْرَابِ مِمَّنِ اعْتَرَضَهُ فِي الصَّدَقَةِ، وَلَكِنَّا تَأَمَّلْنَاهُ مَعَ ذَلِكَ لِنَقِفَ عَلَى مُرَادِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِجَوَابِهِ الَّذِي أَجَابَ بِهِ ذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ، فَوَجَدْنَا قَوْلَهُ:"لَا حَقَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ"يَعْنِي الصَّدَقَةَ، أَيْ أَنِّي لَا عِلْمَ لِي بِحَقِيقَةِ أُمُورِكُمَا مِنْ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ، وَأَنْتُمَا

(1) - سنن أبي داود (2/ 118) (1633) ومسند أحمد ط الرسالة (29/ 486) (17972) صحيح

(قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلَانِ أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ أَشْهَرُ فِي السَّمَاعِ (وَهُوَ يُقَسِّمُ الصَّدَقَةَ فَسَأَلَاهُ مِنْهَا) أَيْ فَطَالَبَاهُ أَنْ يُعْطِيَهُمَا شَيْئًا مِنَ الصَّدَقَةِ (فَرَفَعَ فِينَا النَّظَرَ) أَيِ الْبَصَرَ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (وَخَفَضَهُ فَرَأَىنَا جَلْدَيْنِ) بِسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا أَيْ قَوِيَّيْنِ (فَقَالَ:"إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا") أَيْ مِنْهَا وَوَكَّلْتُ الْأَمْرَ إِلَى أَمَانَتِكُمَا لَكِنْ تَكُونَانِ فِي خَطَرِ الْأَخْذِ بِغَيْرِ حَقٍّ إِنْ كُنْتُمَا قَوِيَّيْنِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَالُكُمَا أَوْ غَنِيَّيْنِ (وَلَا حَظَّ) أَيْ لَا نَصِيبَ (فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ أُعْطِيكُمَا لِأَنَّ فِي الصَّدَقَةِ ذُلًّا وَهَوَانًا فَإِنْ رَضِيتُمَا بِذَلِكَ أَعْطَيْتُكُمَا أَوْ لَا أُعْطِيكُمَا لِأَنَّهَا حَرَامٌ عَلَى الْقَوِيِّ الْمُكْتَسِبِ، فَإِنْ رَضِيتُمَا بِأَكْلِ الْحَرَامِ أُعْطِيكُمَا، قَالَ تَوْبِيخًا، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ حُرْمَةُ سُؤَالِهِمَا لِقَوْلِهِ:"وَإِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا"فَلَوْ كَانَ الْأَخْذُ مُحَرَّمًا غَيْرَ مُسْقَطٍ عَنْ صَاحِبِ الْمَالِ لَمْ يَفْعَلْهُ"مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 1305) "

قُلْنَا: هَذَا الْخَبَرُ وَكُلُّ مَا جَاءَ بِهَذَا اللَّفْظِ فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى"الصَّدَقَةِ الْمَفْرُوضَةِ"الَّتِي حُرِّمَتْ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ إلَّا مَنْ خَصَّهُ النَّصُّ مِنْهُمْ: مِنْ {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [التوبة:60] فَقَطْ. بُرْهَانُ ذَلِكَ - مَا رُوِّينَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ حَدِيثًا فِيهِ «قَالَ رَجُلٌ: لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى غَنِيٍّ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ، وَعَلَى زَانِيَةٍ، وَعَلَى غَنِيٍّ، فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُك فَقَدْ تُقُبِّلَتْ» - وَذَكَرَ الْخَبَرَ. فَهَذَا بَيَانٌ فِي جَوَازِ الصَّدَقَةِ عَلَى الْغَنِيِّ، وَالصَّالِحِ، وَالطَّالِحِ. المحلى بالآثار (8/ 125)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت