فهرس الكتاب

الصفحة 1048 من 1902

بِذَلِكَ أَعْلَمُ مِنِّي، فَاعْمَلَا فِيهَا مَا يُوجِبُهُ مَا قَدْ سَمِعْتُمَاهُ مِنِّي فِيهَا أَنَّهُ لَا حَقَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ. ثُمَّ تَأَمَّلْنَا قَوْلَهُ:"وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ"،فَوَجَدْنَا الصَّدَقَةَ قَدْ تَحِلُّ لِلْفَقِيرِ الْقَوِيِّ، وَكَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ:"وَلَا حَقَّ فِيهَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ"يُرِيدُ - صلى الله عليه وسلم - الْحَقَّ الَّذِي هُوَ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْحُقُوقِ بِالصَّدَقَةِ الَّتِي يُسْتَحَقُّ بِهَا، وَلَيْسَ هُوَ الْقُوَّةَ وَلَا الْجَلَدَ الَّذِي يُسْتَغْنَى بِهِ عَنْهَا، كَمَا تُغَلِّظُ الْعَرَبُ الشَّيْءَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، فَتَقُولُ: فُلَانٌ عَالِمٌ حَقًّا، إِذَا كَانَ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الْعِلْمِ، وَلَا تَقُولُهُ لِمَنْ هُوَ فِي دُونِ أَعْلَى مَرَاتِبِهِ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا. وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِمَّا قَالَهُ فِي أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ

فعَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: جَاءَ أَهْلُ نَجْرَانَ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،فَقَالُوا: ابْعَثْ لَنَا رَجُلًا أَمِينًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"لَأَبْعَثَنَّ إلَيْكُمْ رَجْلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ حَقَّ أَمِينٍ".فَاسْتَشْرَفَ لَهَا النَّاسُ، فَدَعَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ"."

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ الْعَاقِبَ وَالسَّيِّدَ صَاحِبَيْ نَجْرَانَ أَتَيَا رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَأَرَادَ أَنْ يُلَاعِنَهُمَا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لَا تُلَاعِنْهُ، فَوَاللهِ لَئِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَاعَنَّاهُ لَا نُفْلِحُ وَلَا عَقِبُنَا مِنْ بَعْدِنَا، وَلَكِنْ نُعْطِيهِ مَا سَأَلَ. قَالُوا: نُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَ، فَابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا أَمِينًا، وَلَا تَبْعَثْ مَعَنَا إِلَّا أَمِينًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ:"لَأَبْعَثَنَّ مَعَكُمَا رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ حَقَّ أَمِينٍ".فَاسْتَشْرَفَ لَهَا أَصْحَابُهُ، فَقَالَ:"قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ".فَلَمَّا قَامَ، قَالَ:"هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ".فَكَانَ قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم - فِيهِ:"حَقَّ أَمِينٍ حَقَّ أَمِينٍ"إثْبَاتَهُ لِأَبِي عُبَيْدَةَ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْأَمَانَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَكُونُ مِنْ أَهْلِهَا مَنْ هُوَ دُونَهُ فِيهَا، وَلَيْسَ مِنْ أَعْلَى مَرَاتِبِهَا، فَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم:"وَلَا حَقَّ فِيهَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ"،هُوَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَعَلَى أَعْلَى مَرَاتِبِ الِاسْتِحْقَاقِ لَهَا، وَإِنْ كَانَ فِي الْمُسْتَحِقِّينَ لَهَا مَنْ هُوَ دُونَ ذَلِكَ فِي اسْتِحْقَاقِهَا. وَاللهَ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ" [1] "

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ» [2]

(1) - شرح مشكل الآثار (6/ 316) بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي قَوْلِهِ فِي الصَّدَقَةِ:"لَا حَقَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ"

(2) - سنن النسائي (5/ 99) (2597) صحيح

الْمِرَّةُ: الْقُوَّةُ، وَأَصْلُهَا مِنْ شِدَّةِ فَتْلِ الْحَبْلِ، يُقَالُ: أَمْرَرْتُ الْحَبْلَ: إِذَا أَحْكَمْتَ فَتْلَهُ.

وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْقَوِيِّ الْقَادِرِ عَلَى الْكَسْبِ، هَلْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ.

وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ إِذَا لَمْ يَمْلُكْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أُعْطِيَ مِنَ الزَّكَاةِ عَلَى أَنَّهُ فَقِيرٌ، فَبَانَ غَنِيًّا، رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ أَجَازَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَأَظْهَرُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ. أَمَّا إِذَا بَانَ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا، فَلا يُجْزِئُهُ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ. شرح السنة للبغوي (6/ 82)

«لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ» ") فِي الْمُحِيطِ الْغِنَى عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: غِنًى يُوجِبُ الزَّكَاةَ وَهُوَ مِلْكُ نِصَابِ حَوْلًى تَامٍّ، وَغِنًى يُحَرِّمُ الصَّدَقَةَ وَيُوجِبُ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَالْأُضْحِيَةَ وَهُوَ مِلْكُ مَا يَبْلُغُ قِيمَةَ نِصَابٍ مِنَ الْأَمْوَالِ الْفَاضِلَةِ عَنْ حَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ، وَغِنًىٍ يُحَرِّمُ السُّؤَالَ دُونَ الصَّدَقَةِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَهُ قُوتُ يَوْمِهِ وَمَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ (وَلِذِي مِرَّةٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ: الْقُوَّةُ؛ أَيْ وَلَا لِقَوِيٍّ عَلَى الْكَسْبِ (سَوِيٍّ) أَيْ صَحِيحِ الْبَدَنِ تَامِّ الْخِلْقَةِ فِيهِ نَفْيُ كَمَالِ الْحِلِّ لَا نَفْسُ الْحِلِّ أَوْ لَا تَحِلُّ لَهُ بِالسُّؤَالِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ لَا تَحِلُّ الزَّكَاةُ لِمَنْ أَعْضَاؤُهُ صَحِيحَةٌ وَهُوَ قَوِيٌّ يَقْدِرُ عَلَى الِاكْتِسَابِ بِقَدْرِ مَا يَكْفِيهِ وَعِيَالَهُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقِيلَ الْمَعْنَى وَلَا لِذِي عَقْلٍ وَشَدَّةٍ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْقَادِرِ عَلَى الْكَسْبِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِصَابٌ حَلَّتْ لَهُ الصَّدَقَةُ"مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 1305)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت