فهرس الكتاب

الصفحة 1060 من 1902

الدروع، فقال تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء:80] ،أي علمه صنعة الدروع التي يتحصن بها في القتال

ولَقَدْ أَوحَى اللهُ تعالى إلى سليمان بالقَوْل الفَصْلِ في هذا النِّزَاعِ، ويقولُ تَعالى إنَّه آتَى كُلاًّ مِنْ دَاوُجَ وسُلَيْمَانَ وعِلْماً، وإنَّه سَخَّرَ الجبالَ والطَّيرَ يُسَبِّحْنَ مَعَ دَاودَ، وذَلِكَ لِطيبِ صَوْتِهِ بتِلاوةِ الزَّبُورِ، فكَانَ إذا تَرَنَّمَ بِه رَدَّدَتْ تَسْبِيحَهُ الجِبَالُ والطَّيرُ تَأويباً، وكانَ الله فاعِلاً ذلكَ بِقُدْرَتِه التي لا يُعْجِزُها شيءٌ [1] .

قال القرطبي رحمه الله:"هَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ فِي اتِّخَاذِ الصَّنَائِعِ وَالْأَسْبَابِ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعُقُولِ وَالْأَلْبَابِ، لَا قَوْلُ الْجَهَلَةِ الْأَغْبِيَاءِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا شُرِعَ لِلضُّعَفَاءِ، فَالسَّبَبُ سُنَّةُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ فَمَنْ طَعَنَ فِي ذَلِكَ فَقَدْ طَعَنَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَنَسَبَ مَنْ ذَكَرْنَا إِلَى الضَّعْفِ وَعَدَمِ الْمِنَّةِ. وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نَبِيِّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ كَانَ يَصْنَعُ الدُّرُوعَ، وَكَانَ أَيْضًا يَصْنَعُ الْخُوصَ، وَكَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَكَانَ آدَمُ حَرَّاثًا، وَنُوحٌ نَجَّارًا وَلُقْمَانُ خَيَّاطًا، وَطَالُوتُ دَبَّاغًا. وَقِيلَ: سَقَّاءً، فَالصَّنْعَةُ يَكُفُّ بِهَا الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ عَنِ النَّاسِ، وَيَدْفَعُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ الضَّرَرَ وَالْبَأْسَ." [2]

وتأمل كيف قرن الله تعالى بين الأمر بصناعة الدروع والأمر بعمل الصالحات، فقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11) } [سبأ:10،11] ،فالصنعة إذا أخلص العبد فيها نيته لله تعالى فهي من الأعمال الصالحة، وليس الأمر كما يدعيه المجرمون المفترون من أن التقدم الصناعي لا يمكن الوصول إليه إلا بترك الاستقامة والتقوى، وهم يريدون بهذه الفرية أن يصوروا للمسلمين أن التقدم الصناعي والإسلام نقيضان لا يجتمعان، وأن يفتنوا المسلمين عن دينهم، ويبعدوهم عن مصدر عزتهم وقوتهم وطريق حضارتهم، لتسهل السيطرة عليهم بعد ذلك وتطويعهم لأهدافهم ومخططاتهم.

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:2482،بترقيم الشاملة آليا)

(2) - تفسير القرطبي (11/ 321)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت