فهرس الكتاب
ولكن الشكر من العباد قليل كما قال: «وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ» ومن ثم عقّب هذا بقوله: (قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ) أي وأنتم قليلو الشكر على هذه النعم التي أنعمت بها عليكم، لا كثيروه كثرة تناسب كثرة الانتفاع بها فقد عبدتم سواى، واتخذتم الأولياء والشفعاء من دونى. وشكر النعمة يكون بمعرفة المنعم بها ثم حمده والثناء عليه بما هو له أهل، ثم التصرف فيها بما يحبه ويرضاه، وتحقيق الأغراض التي أسداها لأجلها.
فهذه النعم المعيشية ما خلقت إلا لحفظ الحياة الجسمانية للأفراد والجماعات، والاستعانة بذلك على حفظ الحياة الروحية التي بها تزكو الأنفس، وتستعد للحياة الأخرى الأبدية التي فيها النعيم المقيم والسعادة المستقرة إلى غير نهاية. [1]
والمعايش جمع معيشة، وهي تعم ما يعيش به الإنسان من المأكول، وأسباب المكاسب من صنائع وتجارة وحرف وغيرها من أنواع المكاسب.
"إن خالق الأرض وخالق الناس، هو الذي مكن لهذا الجنس البشري في الأرض. هو الذي أودع الأرض هذه الخصائص والموافقات الكثيرة التي تسمح بحياة هذا الجنس وتقوته وتعوله، بما فيها من أسباب الرزق والمعايش .."
هو الذي جعلها مقرا صالحا لنشأته بجوها وتركيبها وحجمها وبعدها عن الشمس والقمر، ودورتها حول الشمس، وميلها على محورها، وسرعة دورتها .. إلى آخر هذه الموافقات التي تسمح بحياة هذا الجنس عليها.
وهو الذي أودع هذه الأرض من الأقوات والأرزاق ومن القوى والطاقات ما يسمح بنشأة هذا الجنس وحياته، وبنمو هذه الحياة ورقيها معا .. وهو الذي جعل هذا الجنس سيد مخلوقات هذه الأرض، قادرا على تطويعها واستخدامها بما أودعه الله من خصائص واستعدادات للتعرف إلى بعض نواميس هذا الكون وتسخيرها في حاجته ..
ولولا تمكين الله للإنسان في الأرض بهذا وذلك، ما استطاع هذا المخلوق الضعيف القوة أن «يقهر الطبيعة» كما يعبر أهل الجاهلية قديما وحديثا! ولا كان بقوته الذاتية قادرا على مواجهة القوى الكونية الهائلة الساحقة! إن التصورات الجاهلية الإغريقية والرومانية هي التي تطبع
(1) - تفسير المراغي (8/ 108)