فهرس الكتاب

الصفحة 1082 من 1902

وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «الْغَزْوُ غَزْوَانِ فَأَمَّا مَنِ ابْتَغَى وَجْهَ اللهِ، وَأَطَاعَ الْإِمَامَ، وَأَنْفَقَ الْكَرِيمَةَ، وَيَاسَرَ الشَّرِيكَ، وَاجْتَنَبَ الْفَسَادَ فَإِنَّ نَوْمَهُ وَنُبْهَهُ أَجْرٌ كُلُّهُ، وَأَمَّا مَنْ غَزَا رِيَاءً وَسُمْعَةً، وَعَصَى الْإِمَامَ، وَأَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ، فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِالْكَفَافِ» رواه أبو داود [1] .

الْغَزْوُ: أَيْ: جِنْسُهُ لَا الْغَزْوُ الْمَعْهُودُ (غَزْوَانِ) :أَيْ: نَوْعَانِ، أَوْ قِسْمَانِ. قَالَ الْقَاضِي: أَيْ: غَزْوٌ عَلَى مَا يَنْبَغِي وَغَزْوٌ لَا عَلَى مَا يَنْبَغِي، فَاقْتَصَرَ الْكَلَامُ وَاسْتَغْنَى بِذِكْرِ الْغُزَاةِ، وَعَدِّ أَصْنَافِهَا وَشَرْحِ حَالِهِمْ، وَبَيَانِ أَحْكَامِهِمْ عَنْ ذِكْرِ الْقِسْمَيْنِ، وَشَرْحِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُفَصَّلًا حَيْثُ قَالَ: (فَأَمَّا مَنِ ابْتَغَى وَجْهَ اللَّهِ) :أَيْ: طَلَبَ رِضَا مَوْلَاهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَمَّا مَنْ غَزَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى (وَأَطَاعَ الْإِمَامَ) :أَيْ: فِي غَزْوَةٍ فَأَتَى بِهِ عَلَى نَحْوِ مَا أَمَرَهُ (وَأَنْفَقَ الْكَرِيمَةَ) :أَيِ: الْمُخْتَارَةَ مِنْ مَالِهِ وَقَتْلِ نَفْسِهِ، وَالتَّاءُ لِلنَّقْلِ مِنَ الْوَصْفِيَّةِ إِلَى الِاسْمِيَّةِ (وَيَاسَرَ الشَّرِيكَ) :مِنَ الْمُيَاسَرَةِ بِمَعْنَى الْمُسَاهَلَةِ ; أَيْ: سَاهَلَ الرَّفِيقَ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ، وَاسْتَعْمَلَ الْيُسْرَ مَعَهُ نَفْعًا بِالْمَعُونَةِ وَكِفَايَةً بِالْمُؤْنَةِ (وَاجْتَنَبَ الْفَسَادَ) :أَيِ: التَّجَاوُزَ عَنِ الْمَشْرُوعِ قَتْلًا وَضَرْبًا وَتَخْرِيبًا وَنَهْبًا عَلَى قَصْدِ الْفَسَادِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [البقرة:60] ; أَيْ: لَا تُفْسِدُوا فِيهَا حَالَ كَوْنِكُمْ قَاصِدِينَ الْفَسَادَ، بَلْ مُرِيدِينَ صَلَاحَ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ (فَإِنَّ نَوْمَهُ) :أَيْ: حِينَئِذٍ (وَنَبَهَهُ) :بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةٍ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِسُكُونِهَا ; أَيْ: يَقَظَتَهُ، وَفِي مَعْنَاهَا غَفْلَتَهُ، وَذِكْرَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ وَحَرَكَتَهُ وَسُكُونَهُ (أَجْرٌ) :أَيْ: ذُو أَجْرٍ وَثَوَابٍ (كُلُّهُ) :بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ إِنَّ ; أَيْ: كُلُّ مَا ذُكِرَ أَجْرٌ مُبَالَغَةً، كَرَجُلِ عَدْلٍ، أَوْ مُقْتَضٍ لِلْأَجْرِ جَالِبٌ لِلثَّوَابِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ تَأْكِيدٌ لِاسْمِ إِنَّ أُتِيَ بِهِ بَعْدَ الْخَبَرِ، وَفِي جَوَازِهِ مَحَلُّ نَظَرٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ كُلُّهُ تَأْكِيدًا لِلْأَجْرِ عَلَى مَا لَا يَخْفَى ; أَيْ: لِمُضِيِّ الْخَبَرِ الَّذِي هُوَ مَحَطُّ الْحُكْمِ، فَإِنَّ فَائِدَةَ التَّأْكِيدِ إِنَّمَا تَظْهَرُ قَبْلَ إِيقَاعِ الْخَبَرِ عَلَيْهِ، فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ التَّقْدِيرُ أَعْنِي كُلَّهُ فَيَكُونُ جُمْلَةً مُؤَكِّدَةً قَالَ: وَالْمَعْنَى كُلٌّ مِنْ ذَلِكَ أَجْرٌ، وَهَذَا التَّرْكِيبُ مُشْعِرٌ بِاهْتِمَامِ حَمْلِ الْأَجْرِ عَلَى النَّوْمِ وَالنَّبَهِ مُبَالَغَةً فِي بَيَانِ كَوْنِهِمَا شَيْئَيْنِ مُسْتَقِلَّيْنِ غَايَةَ الِاسْتِقْلَالِ (وَأَمَّا مَنْ غَزَا فَخْرًا) :أَيْ: مُفَاخَرَةً، أَوْ لِلْفَخْرِ، فَفِي النِّهَايَةِ الْفَخْرُ ادِّعَاءُ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالشَّرَفِ، وَمِنْهُ:" «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ» "; أَيْ: لَا أَقُولُ تَبَجُّحًا، وَلَكِنْ شُكْرًا لِلَّهِ وَتَحَدُّثًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت