فهرس الكتاب

الصفحة 1090 من 1902

وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: إِنِّي حَافِظٌ لِمَا اسْتَوْدَعْتَنِي، عَالِمٌ بِمَا أَوْلَيْتَنِي، لِأَنَّ ذَلِكَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ} [يوسف:55] وَمَسْأَلَتُهُ الْمَلِكَ اسْتِكْفَاءَهُ خَزَائِنَ الْأَرْضِ، فَكَانَ إِعْلَامُهُ بِأَنَّ عِنْدَهُ خِبْرَةً فِي ذَلِكَ، وَكِفَايَتَهُ إِيَّاهُ، أَشْبَهَ مِنْ إِعْلَامِهِ حِفْظَهُ الْحِسَابَ وَمَعْرِفَتَهُ بِالْأَلْسُنِ" [1] "

فإذا كان العامل أمينا ولكن لاعلم له في العمل الذي أسند إليه، فلن ينجز العمل المناط به، وإذا كان عالما بعمله، ولم يكن تقيا أمينا فقد يخون في عمله ولن ينصح فيه، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ المِائَةِ، لاَ تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً» رواه البخاري ومسلم [2]

(1) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (13/ 219)

(2) - صحيح البخاري (8/ 104) (6498) وصحيح مسلم (4/ 1973) 232 - (2547)

(راحلة) الجمل النجيب الذي يصلح لسير الأسفار ولحمل الأثقال. ومعنى الحديث يأتي زمان يكون الناس فيه كثيرين ولكن المرضي منهم والذي يلتزم شرع الله عز وجل قليل شأن الإبل الكثيرة التي تبلغ المائة ولا تكاد توجد منها واحدة تصلح للركوب والانتفاع بها. أو المراد أن الناس دائما شأنهم هكذا الصالح فيهم قليل]

قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جَلَّ جَلَالُهُ: اللَّامُ فِيهِمَا لِلْجِنْسِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:الرِّوَايَةُ فِيهِ عَلَى الثَّبْتِ كَإِبِلٍ مِائَةٍ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ فِيهِمَا ("لَا تَكَادُ") أَيْ: لَا تَقْرُبُ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ خِطَابًا عَامًّا ("تَجِدُ فِيهَا") أَيْ: فِي مِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ ("رَاحِلَةً") أَيْ: نَاقَةً شَابَّةً، قَوِيَّةً، مُرْتَاضَةً، تَصْلُحُ لِلرُّكُوبِ، فَكَذَلِكَ لَا تَجِدُ فِي مِائَةٍ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَصْلُحُ لِلصُّحْبَةِ، وَحَمْلِ الْمَوَدَّةِ وَرُكُوبِ الْمَحَبَّةِ، فَيُعَاوِنُ صَاحِبَهُ وَيَلِينُ لَهُ جَانِبُهُ، وَهَذَا زُبْدَةُ كَلَامِ الشَّارِحِ الْأَوَّلِ، وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ النَّاسَ فِي أَحْكَامِ الدِّينِ سَوَاءٌ لَا فَضْلَ فِيهَا لِشَرِيفٍ عَلَى مَشْرُوفٍ، وَلَا لِرَفِيعٍ مِنْهُمْ عَلَى وَضِيعٍ، كَإِبِلِ الْمِائَةِ لَا يَكُونُ فِيهَا رَاحِلَةٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ:عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَا تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً صِفَةُ الْإِبِلِ، وَالتَّشْبِيهُ مُرَكَّبٌ تَمْثِيلِيٌّ، وَعَلَى الثَّانِي هُوَ وَجْهُ الشَّبَهِ، وَبَيَانٌ لِمُنَاسَبَةِ النَّاسِ لِلْإِبِلِ، قُلْتُ: وَلَا يَخْفَى ظُهُورُ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ، فَتَدَبَّرْ وَتَأَمَّلْ، وَخُلَاصَتُهُ: أَنَّ الْمَرْضِيَّ الْمُنْتَخَبَ مِنَ النَّاسِ الصَّالِحَ لِلصُّحْبَةِ سَهْلُ الِانْقِيَادِ عَسِرٌ وَجُودُهُ، كَالنَّجِيبَةِ الصَّالِحَةِ لِلرُّكُوبِ الَّتِي لَا تُوجَدُ فِي الْإِبِلِ الْكَثِيرَةِ الْقَوِيَّةِ عَلَى الْأَحْمَالِ وَالْأَسْفَارِ، فَذَكَرَ الْمِائَةَ لِلتَّكْثِيرِ لَا لِلتَّحْدِيدِ، فَإِنَّ وُجُودَ الْعَالِمِ الْعَامِلِ الْمُخْلِصِ مِنْ قَبِيلِ الْكِيمْيَاءِ، أَوْ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْعَنْقَاءِ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْعُرَفَاءِ:

أَتَمَنَّى عَلَى الزَّمَانِ مُحَالًا ... أَنْ تَرَى مُلْتَقَايَ طَلْعَةَ حُرٍّ

وَقَالَ الْآخَرُ:

وَإِذَا صَفَا لَكَ مِنْ زَمَانِكَ وَاحِدٌ ... فَهُوَ الْمُرَادُ وَأَيْنَ ذَاكَ الْوَاحِدُ

وَكَانَ يَقُولُ بَعْضُ أَرْبَابِ الْحَالِ: هَذَا زَمَانُ قَحْطِ الرِّجَالِ، وَرُوِيَ أَنَّ سَهْلًا التُّسْتَرِيَّ خَرَجَ مِنْ مَسْجِدٍ وَرَأَى خَلْقًا كَثِيرًا فِي دَاخِلِهِ وَخَارِجِهِ، فَقَالَ: أَهْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَثِيرٌ، وَالْمُخْلِصُونَ مِنْهُمْ قَلِيلٌ، وَقَدْ نَبَّهَ سُبْحَانَهُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي آيَاتٍ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ:13] ،وَمِنْهَا: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} [ص:24] ،وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي وَصْفِ السَّابِقِينَ الْمُقَرَّبِينَ: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ - وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ} [الواقعة:13 - 14] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3360)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت