فهرس الكتاب
وَمَوْئِلًا لِلْعَرَبِ، يَتَحَصَّنُونَ بِهِ مِنْ غَوَائِلِ الشَّيْطَانِ أَوْ عَنْ سَطْوَةِ الْعَجَمِ وَتَغَلُّبِهِمْ، وَإِنَّمَا سُمُّوا أُمِّيِّينَ لِأَنَّ أَغْلَبَهُمْ لَا يَقْرَءُونَ وَلَا يَكْتُبُونَ اه.
أَوْ لِأَنَّهُمْ يُنْسَبُونَ إِلَى أُمِّ الْقُرَى، وَهِيَ مَكَّةُ، أَوْ لِكَوْنِ نَبِيِّهِمْ أُمِّيًّا، وَلَعَلَّ هَذَا الْوَجْهَ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَوْجَهُ لِيَشْمَلَ جَمِيعَ الْأُمَّةِ، وَلَا يَبْقَى مُتَمَسَّكٌ لِلْيَهُودِ عَلَى مَا زَعَمُوا مِنْ أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً، فَإِنَّهُ بِذِكْرِهِ لَا يَنْفِي مَا عَدَاهُ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ:28] وَلِهَذَا قَالَ - صلى الله عليه وسلم: «لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا لَمَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي» قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْحِرْزِ حِفْظَ قَوْمِهِ مِنْ عَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ، أَوِ الْحِفْظَ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ مَا دَامَ فِيهِمْ. قَالَ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} [الأنفال:33] (أَنْتَ عَبْدِي) أَيْ: الْخَاصُّ كَمَا وَصَفَهُ بِالْقُرْآنِ فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى} [التوبة:33] فَالْإِضَافَةُ لِلْعَهْدِ كَمَا قَالَ: أَكْرَمَ زَيْدٌ عَبْدَهُ إِذَا كَانَ لَهُ عَبِيدٌ مُتَعَدِّدَةٌ، مَعَ أَنَّهُ إِذَا أُطْلِقَ اسْمُ الْجِنْسِ، فَالْمُرَادُ بِهِ الْفَرْدُ الْأَكْمَلُ فَتَأَمَّلْ. (سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ) ،أَيْ: خَصَصْتُكَ بِهَذَا الْوَصْفِ لِكَمَالِ تَوَكُّلِكَ عَلَيَّ وَتَفْوِيضِكَ إِلَيَّ وَتَسْلِيمِكَ لَدَيَّ عَمَلًا بِمَا فِي الْقُرْآنِ، وَتَوَكَلْ عَلَى اللَّهِ، وَتَوَكَلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَكَذَا فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ} [طه:132] ، {وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه:131] ، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق:2] دَلَالَةٌ عَلَيْهِ وَإِشَارَةٌ إِلَيْهِ (لَيْسَ بِفَظٍّ) :الْتِفَاتٌ فِيهِ تَضَمُّنٌ لِلْفَنَنِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ آيَةً أُخْرَى فِي التَّوْرَاةِ لِبَيَانِ صِفَتِهِ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْمُتَوَكِّلِ أَوْ مِنَ الْكَافِ فِي سَمَّيْتُكَ، فَعَلَى هَذَا فِيهِ الْتِفَاتٌ اه.
وَالْمَعْنَى لَيْسَ بِسَيِّئِ الْخُلُقِ أَوِ الْقَوْلِ، (وَلَا غَلِيظٍ) أَيْ: ضَخْمٍ كَرِيهِ الْخُلُقِ، أَوْ سَيِّئَ الْفِعْلِ، أَوْ غَلِيظِ الْقَلْبِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ} [آل عمران:159] أَيْ: شَدِيدَهُ وَقَاسِيَهُ، فَيُنَاسِبُ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ الْفَظُّ مَعْنَاهُ بَذَاذَةُ اللِّسَانِ، فَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى طَهَارَةِ عُضْوَيْهِ الْكَرِيمَيْنِ مِنْ دَنَسِ الطَّبْعِ وَوَسَخِ هَوَى النَّفْسِ الذَّمِيمَيْنِ، وَقَدْ قَالَ الْكَلْبِيُّ: فَظًّا فِي الْقَوْلِ، غَلِيظًا فِي الْفِعْلِ (وَلَا سَخَّابٍ) :بِتَشْدِيدِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: صَيَّاحٍ (فِي الْأَسْوَاقِ) .قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: هُوَ لَيِّنُ الْجَانِبِ شَرِيفُ النَّفْسِ، لَا يَرْفَعُ الصَّوْتَ عَلَى النَّاسِ لِسُوءِ خُلُقِهِ، وَلَا يُكْثِرُ الصِّيَاحَ عَلَيْهِمْ فِي السُّوقِ لِدَنَاءَتِهِ، بَلْ يُلِينُ جَانِبَهُ لَهُمْ وَيَرْفُقُ بِهِمْ. قُلْتُ: فَهُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ