فهرس الكتاب
بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الأنبياء:108] أَيْ: مَا يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنْ أُقِيمَ التَّوْحِيدَ وَأَنْفِيَ الشِّرْكَ.
فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ: وَيَفْتَحَ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: {وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ} [النمل:81] ؟ قُلْتُ: دَلَّ إِيلَاءُ الْفَاعِلِ الْمَعْنَوِيِّ حَرْفَ النَّفْيِ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْفَاعِلِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى نَزَّلَهُ بِحِرْصِهِ عَلَى إِيمَانِ الْقَوْمِ مَنْزِلَةَ مَنْ يَدَّعِي اسْتِقْلَالَهُ بِالْهِدَايَةِ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ لَسْتَ بِمُسْتَقِلٍّ فِيهِ، بَلْ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ بِإِذْنِ اللَّهِ وَتَيْسِيرِهِ اه.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ قَدْ يَنْسُبُ الْهِدَايَةَ إِلَيْهِ - صلى الله عليه وسلم - نَظَرًا إِلَى كَوْنِهِ مِنْ أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ، وَمِنْهُ وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي} [الشورى:52] وَتُنْفَى عَنْهُ أُخْرَى نَظَرًا إِلَى أَنَّ حَقِيقَةَ الْهِدَايَةِ رَاجِعَةٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص:56] .
فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} [الأنفال:17] أَيْ: مَا رَمَيْتَ خَلْقًا وَحَقِيقَةً إِذْ رَمَيْتَ كَسْبًا وَصُورَةً {وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال:17] حَيْثُ جَعَلَكَ قَادِرًا عَلَى الرَّمْيِ وَفَاعِلًا لَهُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ نَفْيَ الْهِدَايَةِ عَنْهُ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ هِدَايَتَهُ وَإِثْبَاتَهَا لَهُ فِيمَنْ أَرَادَهُ لِهَذَا، فَلَا مُنَافَاةَ، لِأَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - مَظْهَرُ هِدَايَتِهِ، كَمَا أَنَّ إِبْلِيسَ مَظْهَرُ ضَلَالَتِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ سُبْحَانُهُ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَمَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ. [1]
وقال تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء:215]
يَأْمُرُ اللهُ تَعالى رسُولَه محمداً - صلى الله عليه وسلم -،بأنْ يُلِينَ جَانِبَهُ لِمَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ عِبادِ اللهِ المُؤمنينَ، وأَنْ يَتَرَفَّقَ بِهِمْ، فَذَلِكَ أَدْعَى لاِخْلاصِهِمْ للرّسُولِ، ولِزِيَادَةِ مَحَبِتَّهِ. [2]
{وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} بلين جانبك، ولطف خطابك لهم، وتوددك، وتحببك إليهم، وحسن خلقك والإحسان التام بهم، وقد فعل - صلى الله عليه وسلم -،ذلك كما قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ} فهذه أخلاقه - صلى الله عليه وسلم -،أكمل الأخلاق، التي يحصل بها من المصالح العظيمة، ودفع المضار، ما هو مشاهد، فهل يليق بمؤمن بالله ورسوله، ويدعي اتباعه
(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (9/ 3678)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:3029،بترقيم الشاملة آليا)