فهرس الكتاب

الصفحة 1211 من 1902

فالنبى - صلى الله عليه وسلم - قد اشتد عليه وآلمه، إعنات قومه له، وخلافهم عليه .. والإعنات والعنت: البلاء، والمشقة، التي تضيق بها النفس، ولا تحتملها .. ومنه قوله تعالى: «ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ» (25:النساء) .

وفى قوله تعالى: «بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» إشارة إلى أن عطف النبي ورحمته بالناس وحدبه عليهم، ليس لقومه وحدهم، وإنما هو نفس رحيمة كريمة تتّسع للناس للمؤمنين جميعا، من كل جنس، ومن كل لون .. فهو رءوف رحيم بكل مؤمن، حريص على هداية كل نفس واستنقاذها من الضلال، والضياع! وفى وصف النبي الكريم بهاتين الصفتين الكريمتين من صفات الله سبحانه: «رَؤُفٌ رَحِيمٌ» تكريم للرسول الكريم، ورفع لقدره عند ربه.

قوله تعالى: «فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» - هو عزاء للنبى الكريم فيما لقى ويلقى من قومه، من كيد، وما يكابد من شقاقهم وخلافهم. وهو فيصل الأمر فيما بينه وبينهم .. إنه يدعوهم إلى الله، ويبسط إليهم يده بالخير .. وهذا هو المطلوب منه «ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ» فإن أجابوا، فقد أخذوا بحظهم من هذا الخير المسوق إليهم، وإن تولوا وأبوا، فالله غنى عنهم، ورسوله لائذ بجناب لا يضام، ومستند إلى حمى لا ينال .. إنه جناب الله، وحمى الله .. وذلك حسبه، وكفايته .. «حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» [1] .

ولم يقل: جاءكم رسول منكم. ولكن قال: «من أنفسكم» وهي أشد حساسية وأعمق صلة، وأدل على نوع الوشيجة التي تربطهم به. فهو بضعة من أنفسهم، تتصل بهم صلة النفس بالنفس، وهي أعمق وأحس.

«عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ» .. يشق عليه عنتكم ومشقتكم.

«حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ» .. لا يلقي بكم في المهالك، ولا يدفع بكم إلى المهاوي فإذا هو كلفكم الجهاد، وركوب الصعاب، فما ذلك من هوان بكم عليه، ولا بقسوة في قلبه وغلظة، إنما هي الرحمة في صورة من صورها. الرحمة بكم من الذل والهوان، والرحمة بكم من الذنب

(1) - التفسير القرآني للقرآن (6/ 925)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت