فهرس الكتاب
جواره، وتستظل برايته لا أن يكونوا حربا عليه، وعداوة متربصة به .. إنه منهم، وليس غريبا عليهم .. إنه يعرفهم وهم يعرفونه، ويعرفون مولده فيهم، ونسبه القريب منهم ..
فكيف يلقونه بالعداوة؟ ثم كيف يحاربونه ويكيدون له، وهو الذي يحمل إليهم الخير الخالص، ويسوق إليهم الهدى والنور؟ إنهم بهذا يظلمون أنفسهم، إذ يحرمونها هذه النعمة، التي ساقها الله إليهم، على تلك اليد الكريمة التي تحيرها الله منهم، وإنهم ليخرجون على سنن العروبة وأخلاق العرب، في الانتصار لمن كان منهم، والتعصب له، والاستجابة لدعوة الداعي حين يدعوهم .. حتى لقد كان شعارهم، بل دينهم الذي يدينون به: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» ،وحتى ليقول شاعرهم عنهم:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا
فكيف لا يستجيبون للرسول الكريم، وهو منهم، وقد جاءهم بالبرهان المبين والحجة الساطعة الدامغة؟
وفى قوله تعالى: «عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ .. حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ» إلفات للعرب أيضا إلى ما يحمل الرسول الكريم من مشاعر الحب لقومه، والحدب عليهم، بما لم يعرف إلا في الآباء للأبناء، وحدبهم عليهم، حتى لقد حمل ذلك الحبّ وهذا الحدب النبىّ الكريم، على أن يبيت مؤرّقا مسهدا موجعا، لخلاف قومه عليه، وتفلّتهم من بين يديه، وهو يدعوهم إلى النجاة، وهم يلقون بأنفسهم في مهاوى الهالكين، وحتى لقد نبه الله سبحانه النبىّ الكريم إلى أن ينظر لنفسه، وأن يتخفف من هذه الحسرات التي تملأ قلبه، وتملك مشاعره، فيقول له سبحانه: «لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» (3:الشعراء) ثم يقول له: «فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ» (8:فاطر) .
ومعنى قوله تعالى: «عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ» أي شاقّ عليه، ومؤلم له إعناتكم له، وخلافكم عليه ..
ومنه قوله تعالى: «وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ» أي غلبنى وقهرنى .. فالعزة- في أصلها- الشدة والصلابة، وفى المثل: «من عزّ بزّ» أي من غلب وقهر كان له أن يبزّ الناس، ويستولى على ما في أيديهم ..