فهرس الكتاب
وَيَكُونُ الإِْنْسَانُ مَعَهَا فِي ضِيقٍ وَحَرَجٍ، فَلاَ يَشْعُرُ بِالرَّاحَةِ لِخُرُوجِ الْمَشَقَّةِ عَنِ الْمُعْتَادِ فِي الأَْعْمَال الْعَادِيَّةِ.
وَهَذَا النَّوْعُ قَدْ يَكُونُ فِي الأَْصْل مِنَ الدَّرَجَةِ الرَّابِعَةِ؛ لأَِنَّهُ إِذَا فُعِل مَرَّةً وَاحِدَةً لَمْ يَحْصُل مِنْهُ لِلإِْنْسَانِ الضِّيقُ وَالْحَرَجُ، وَلَكِنْ إِذَا تَكَرَّرَ وَدَامَ جَاءَ الْحَرَجُ بِسَبَبِ الدَّوَامِ عَلَيْهِ. قَال الشَّاطِبِيُّ: وَيُوجَدُ هَذَا فِي النَّوَافِل وَحْدَهَا إِذَا تَحَمَّل الإِْنْسَانُ مِنْهَا فَوْقَ مَا يَحْتَمِلُهُ عَلَى وَجْهٍ مَا، إِلاَّ أَنَّهُ فِي الدَّوَامِ يُتْعِبُهُ حَتَّى يَحْصُل لِلنَّفْسِ بِسَبَبِهِ مَا يَحْصُل لَهَا بِالْعَمَل مَرَّةً وَاحِدَةً فِي غَيْرِهِ قَال: وَهَذَا هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي شُرِعَ لَهُ الرِّفْقُ وَالأَْخْذُ مِنَ الْعَمَل بِمَا لاَ يُحَصِّل مَلَلاً، حَسْبَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي نَهْيِهِ عَنِ الْوِصَال، وَعَنِ التَّنَطُّعِ وَالتَّكَلُّفِ.
وَقَال: خُذُوا مِنَ الأَْعْمَال مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَمَل حَتَّى تَمَلُّوا.
الدَّرَجَةِ الرَّابِعَةِ:
الْمَشَقَّةُ الَّتِي فِي الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ فِيهِ مِنَ التَّأْثِيرِ فِي تَعَبِ النَّفْسِ خُرُوجٌ عَنِ الْمُعْتَادِ فِي الأَْعْمَال الْعَادِيَّةِ، وَلَكِنْ نَفْسُ التَّكْلِيفِ بِهِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَاتُ قَبْل التَّكْلِيفِ. فَفِيهِ مَشَقَّةٌ عَلَى النَّفْسِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ؛ وَلِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ"التَّكْلِيفِ"وَهُوَ فِي اللُّغَةِ يَقْتَضِي مَعْنَى الْمَشَقَّةِ؛ لأَِنَّ الْعَرَبَ تَقُول"كَلَّفْتُهُ تَكْلِيفًا"إِذَا حَمَّلْتُهُ أَمْرًا يَشُقُّ عَلَيْهِ وَأَمَرْتُهُ بِهِ، وَتَقُول:"تَكَلَّفْتُ الشَّيْءَ"إِذَا تَحَمَّلْتُهُ عَلَى مَشَقَّةٍ. فَمِثْل هَذَا يُسَمَّى مَشَقَّةً مِنْ هَذَا الْوَجْهِ؛ لأَِنَّهُ دُخُولٌ فِي أَعْمَالٍ زَائِدَةٍ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا. وَأَقَل مَا فِيهِ فِي الأَْعْمَال الدِّينِيَّةِ إِخْرَاجُ الْمُكَلَّفِ عَمَّا تَهْوَاهُ نَفْسُهُ، وَمُخَالَفَةُ الْهَوَى فِيهِ مَشَقَّةٌ مَا.
وَلَكِنِ الشَّرِيعَةُ جَاءَتْ لإِِخْرَاجِ الْمُكَلَّفِ مِنِ اتِّبَاعِ هَوَاهُ حَتَّى يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ اخْتِيَارًا كَمَا هُوَ عَبْدٌ لِلَّهِ اضْطِرَارًا.
وَهَذَا النَّوْعُ لاَزِمٌ لِكُل تَكْلِيفٍ؛ إِذْ لاَ تَخْلُو مِنْهُ التَّكَالِيفُ الشَّرْعِيَّةُ. وَالْمَشَقَّةُ الَّتِي فِيهِ - وَإِنْ سُمِّيَتْ مَشَقَّةً مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ - إِلاَّ أَنَّهَا لاَ تُسَمَّى فِي الْعَادَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ مَشَقَّةً، كَمَا لاَ يُسَمَّى فِي الْعَادَةِ مَشَقَّةً طَلَبُ الْمَعَاشِ بِالْحِرَفِ وَسَائِرِ الصَّنَائِعِ، بَل أَهْل الْعُقُول، وَأَصْحَابُ الْعَادَاتِ يَعُدُّونَ الْمُنْقَطِعَ عَنْهُ كَسْلاَنَ، وَيَذُمُّونَهُ بِذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الْمُعْتَادُ فِي التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ.