ثم يسأل المصلي ربه ألا يجعله من المغضوب عليهم ولا الضالين، وهؤلاء هم الزائغون عن صراط الله المستقيم، فالمغضوب عليهم هم الذين علموا ولم يعملوا كاليهود ومن فسق وزاغ من علماء الأمة، والضالون الذين عملوا بلا علم كالنصارى ومن ابتدع وضل من عبَّاد الأمة.
فتضمنت فاتحة الكتاب التي يقرأها المسلم في كل ركعة المنهاج السياسي لكل مسلم، وهذه مسألة عظيمة عليها مدار الهداية.
فبينت فاتحة الكتاب أن الهداية في جميع الأمور السياسية وغيرها تكون باتباع المسلم لكتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - والعمل بهما، فإن التلقي في السياسة وغيرها من غير الكتاب والسنة ضلال وخروج عن الصراط المستقيم، كنسبة بعض علماء السوء سياسات الملوك الجائرة للإسلام، أو تلقف بعض المفتونين ما افتراه الكفار المفترون من السياسات والأنظمة كالديمقراطية [1] وغيرها ثم ينسبونها إلى الإسلام ويحتجون لذلك بالحجج الواهية ويتبعون الآيات المتشابهات طلبا للفتنة والصد عن سبيل الله تعالى.
فهداية المسلم إلى الصراط المستقيم في السياسة وغيرها أن يتلقى العلم من الكتاب والسنة وأن يعمل بعلمه، فإذا علم مثلا أن الجهاد فرض وأن الله تعالى أوجب جهاد الغزاة المعتدين، فعليه أن يعمل بعلمه ويجاهد في سبيل الله، حتى يكون من المهتدين الصادقين.
وفاتحة الكتاب فيها تحذير للمسلم من مسلكين جائرين في السياسة وغيرها وأولهما: هو مسلك المغضوب عليهم، وهم الذين علموا ولم يعملوا: كاليهود، ومن سلك سبيلهم، وانتهج نهجهم من عوام الأمة، أو من علماء السوء، الذين كتموا الحق وناصروا الطواغيت، والثاني: هو مسلك الضالين الذين عملوا على غير علم: كالنصارى ومن ضل من عباد الأمة.
وقد تضمنت سورة الفاتحة التحذير من الديمقراطية وغيرها من السياسات الجائرة التي افتراها المغضوب عليهم اليهود والضالون النصارى، فإن من سبلهم القديمة الجائرة أن يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله تعالى، كما قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة:31] فقد اتخذوهم أربابا حين اتبعوهم في التحليل والتحريم وهو التشريع [2] ،وهذا
(1) - يعني الذين يأخذون بها بعجرها وبجرها دون تمييز بين الوسائل والمقاصد
(2) - انظر: أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1267،بترقيم الشاملة آليا)