فهرس الكتاب
الْمُسْتَكْبِرِينَ [النحل:23] يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ عَلَيْهِ أَنْ يُوَحِّدُوهُ، وَيَخْلَعُوا مَا دُونَهُ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ [1]
ويجمع السياق بين الإيمان بوحدة الله والإيمان بالآخرة. بل يجعل إحداهما دالة على الأخرى لارتباط عبادة الله الواحد بعقيدة البعث والجزاء. فبالآخرة تتم حكمة الخالق الواحد ويتجلى عدله في الجزاء.
«إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ» وكل ما سبق في السورة من آيات الخلق وآيات النعمة وآيات العلم يؤدي إلى هذه الحقيقة الكبيرة البارزة، الواضحة الآثار في نواميس الكون وتناسقها وتعاونها كما سلف الحديث. فالذين لا يسلمون بهذه الحقيقة، ولا يؤمنون بالآخرة - وهي فرع عن الاعتقاد بوحدانية الخالق وحكمته وعدله - هؤلاء لا تنقصهم الآيات ولا تنقصهم البراهين، إنما تكمن العلة في كيانهم وفي طباعهم. إن قلوبهم منكرة جاحدة لا تقر بما ترى من الآيات، وهم مستكبرون لا يريدون التسليم بالبراهين والاستسلام لله والرسول. فالعلة أصيلة والداء كامن في الطباع والقلوب!.
والله الذي خلقهم يعلم ذلك منهم. فهو يعلم ما يسرون وما يعلنون. يعلمه دون شك ولا ريب ويكرهه فيهم. «إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ» فالقلب المستكبر لا يرجى له أن يقتنع أو يسلم. ومن ثم فهم مكروهون من الله لاستكبارهم الذي يعلمه من يعلم حقيقة أمرهم ويعلم ما يسرون وما يعلنون. [2]
وقال تعالى: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الزمر:45]
وَإِذَا قِيلَ أَمَامَ المُشْرِكِينَ الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، تَشْمَئِزُّ قُلُوبُهُمْ، وَتَنْقَبِضُ قَسَمَاتُ وُجُوهِهِمْ غَيْظاً وَأَلَماً، وَإِذَا ذُكِرَتِ الآلِهَةُ التِي يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللهِ، اسْتَبْشَرُوا وَفَرِحُوا. [3]
(1) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (14/ 197)
(2) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:2826)
(3) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:3982،بترقيم الشاملة آليا)