فهرس الكتاب
يذكر تعالى حالة المشركين، وما الذي اقتضاه شركهم أنهم {إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ} توحيدا له، وأمر بإخلاص الدين له، وترك ما يعبد من دونه، أنهم يشمئزون وينفرون، ويكرهون ذلك أشد الكراهة. {وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} من الأصنام والأنداد، ودعا الداعي إلى عبادتها ومدحها، {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} بذلك، فرحا بذكر معبوداتهم، ولكون الشرك موافقا لأهوائهم، وهذه الحال أشر الحالات وأشنعها، ولكن موعدهم يوم الجزاء. فهناك يؤخذ الحق منهم، وينظر: هل تنفعهم آلهتهم التي كانوا يدعون من دون الله شيئا؟. [1]
أي إذا أفرد الله تعالى بالذكر، فقيل لاإله إلا الله وحده، نفرت وانقبضت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة، وإذا ذكر الذين من دونه من الطواغيت والأنداد إذا هم يسرون ويفرحون، ومن يعلم حقيقة إعلام الكفار كالصليبيين وعملائهم في بلاد المسلمين يجد هذا جليا في مقدمي البرامج والكثير من المحللين والمتحدثين في وسائل إعلامهم، فإذا ذكر توحيد الله تعالى والتحاكم إلى شريعته ووجوب طاعته وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو ذكرت حرمة الفواحش، ومساوئ الأخلاق التي فشت في بلادهم، انقبضت ونفرت قلوبهم، وأماإذا ذكرت طواغيتهم كالديمقراطية وغيرها، أو ذكرت أقوال حكامهم الطواغيت من النصارى والمرتدين فإنهم يستبشرون ويسرون، قال سيد قطب رحمه الله:"وفي هذا الموقف الذي يتفرد فيه الله سبحانه بالملك والقهر يعرض كيف هم ينفرون من كلمة التوحيد ويهشون لكلمة الشرك، الذي ينكره كل ما حولهم في الوجود: «وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ، وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ» ."
والآية تصف واقعة حال على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - حين كان المشركون يهشون ويبشون إذا ذكرت آلهتهم وينقبضون وينفرون إذا ذكرت كلمة التوحيد. ولكنها تصف حالة نفسية تتكرر في شتى البيئات والأزمان. فمن الناس من تشمئز قلوبهم وتنقبض نفوسهم كلما دعوا إلى الله وحده إلها، وإلى شريعة الله وحدها قانونا، وإلى منهج الله وحده نظاما. حتى إذا ذكرت المناهج الأرضية والنظم الأرضية والشرائع الأرضية هشوا وبشوا ورحبوا بالحديث، وفتحوا صدورهم للأخذ والرد. هؤلاء هم بعينهم الذين يصور الله نموذجا منهم في هذه الآية، وهم بذاتهم في كل
(1) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص:726)