فهرس الكتاب
وهل أراد فرعون شيئا يفعله بموسى ثم عرض له أحد دونه؟ وهل يجرؤ أحد أن يعترض طريق فرعون إلى ما يريد؟.
ما السرّ إذن في قوله هذا: «ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى» ؟.
الجواب- والله أعلم- أن هذا القول من فرعون يكشف عن خوف كان مستوليا عليه من موسى، ومن أن خطرا داهما يتهدده من جهته ..
فلقد كان يعلم- بعد أن رأى ما رأى من المعجزات- أن موسى يستند إلى قوة لا قبل لأحد بها، وأنه لو أراد بموسى شرّا لما استطاع، ولأصابه هو بلاء عظيم .. إنه كان على يقين بأن موسى على حق، ولكن الغطرسة، والكبر، وحب التسلط والسلطان- كل أولئك قد جعله يؤثر ما هو فيه من ضلال على هذا الحق الذي يدعى إليه ..
فقول فرعون: «ذرونى أقتل موسى» - يشير إلى أن شيئا ما بداخله، يمسك به، وأن مشاعر خفية تلقاه بالتخويف والتحذير كلما هم أن يبطش بموسى، ويخلص من هذا الخطر الذي يتهدده منه ومن سحره .. وكأن فرعون بقوله: «ذرونى أقتل موسى» إنما يتحدث إلى هذه المشاعر التي تغلّ يده، وتحول بينه وبين ما يشتهى من الانتقام من هذا العدو المخيف!.
وفى قوله: «وَلْيَدْعُ رَبَّهُ» ما يشير إلى هذا الخوف الذي يملأ كيان فرعون، أكثر مما يشير إلى الاستخفاف، وعدم المبالاة.
وفى قوله: «إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ» - ما يكشف عن وجه من وجوه المخاوف التي تعيش مع فرعون من جهة موسى .. ولهذا فإنه يريد أن يتحمل هذه المخاطرة، ويقدم على قتل موسى .. أيّا كان الثمن الذي يقدمه من أجل هذا. [1]
أليست هي بعينها كلمة كل طاغية مفسد عن كل داعية مصلح؟ أليست هي بعينها كلمة الباطل الكالح في وجه الحق الجميل؟ أليست هي بعينها كلمة الخداع الخبيث لإثارة الخواطر في وجه الإيمان الهادئ؟ إنه منطق واحد، يتكرر كلما التقى الحق والباطل، والإيمان
(1) - التفسير القرآني للقرآن (12/ 1222)