فهرس الكتاب

الصفحة 1343 من 1902

أو قصرت- ثم رجع إلى عقله، وثاب إلى رشده فآمن بالله .. وفريقا ظل على عجبه هذا، فتولد منه الإنكار والكفر، وعلى حين قال المؤمنون: آمنا بالله، ورسول الله، قال الكافرون: هذا ساحر كذاب .. قوله تعالى: «أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً؟ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ» .. هو من مقولة المشركين، الذين قالوا هذا القول المنكر في النبي: «ساحِرٌ كَذَّابٌ» .. وهم بقولهم: «أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً» هو تعجب من دعوة الرسول لهم إلى توحيد الله، ونبذ ما يعبدون من دونه من آلهة .. إنها دعوة غير معقولة وغير مقبولة عندهم .. إذ كيف تكون الآلهة إلها واحدا؟ وكيف ينزل كل إله منها عن سلطانه إن شيخ القبيلة، أو زعيم الجماعة، لا يقبل أن ينزل عن مكانه من الرياسة لزعيم آخر، ولو كان هذا معقولا ومقبولا، لكانت قريش مثلا تحت زعيم واحد. فإذا كان هذا غير ممكن في مجتمع القبائل، فكيف يمكن هذا في مجتمع الآلهة؟ «إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ» .. أي مثير للعجب، الذي ليس وراءه عجب! [1]

فالكفار في زماننا على نهجهم سائرون، وبمثل أقوالهم يخوضون، ويفترون، كما قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [البقرة:118]

وَقَالَ الكُفَّارُ الذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً عَنِ النُّبُوَّاتِ، وَعَمَّا يَصِحُّ أَنْ يُعطَاهُ الأَنْبِياءُ مِنَ الآيَاتِ: هَلاَّ يُكَلِّمُنَا اللهُ وَيَقُولُ لَنَا إِنَّكَ رَسُولُهُ حَقّاً، أَوْ يُرْسِلُ إِلَينا مَلَكاً فَيُخْبِرُنا بِذلِكَ، كَمَا كَلَّمَكَ، وَأَنْتَ بَشَرٌ مِثْلُنَا. وَهَلاَّ تَأْتِينَا بِبُرْهاَنٍ عَلَى صِدْقِكَ فِي دَعْوَاكَ النُّبُوَّةَ. وَهُمْ إِنَّمَا يَقُولُونَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ والاسْتِكْبَارِ وَالتَّعْجِيزِ، لا لِلْوُصُولِ إِلَى الحَقِيقَةِ، وَجَلاَءِ الغَوَامِضِ، وَقَدْ قَالَ مِثْلَ هذِهِ الأَقْوالِ، التِي يُرادُ بِهَا التَّعَنُّتِ وَالعِنَادُ، مَنْ جَاءَ قَبْلَهُمْ مِنَ الأُمَمِ السَّالِفَةِ، فَسَأَلَ اليَهُودُ مُوسَى أَنْ يَرَوْا اللهَ جَهْرَةً، فَأَشْبَهَتْ قُلُوبُ مُشْرِِكِي العَرَبِ قُلُوبِ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ فِي الكُفْرِ وَالعُتُوِّ والعِنَادِ. وَقَدَ بَيَّنَ اللهُ الدَّلاَلاَتِ، وَأَقَامَ الحُجَجَ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ بِمَا لا يَحْتَاجُ إِلَى مَزِيدٍ مِن الأَدِلَّةِ، لِمَنْ كَانَ فِي قُلُوبِهِمْ إِيمَانٌ. أَمَّا الذِينَ خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِْمْ وَأَبْصَارِهِمْ، فَهؤلاءِ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يَرَوُا العَذَابَ الأَلِيمَ. [2]

(1) - التفسير القرآني للقرآن (12/ 1049)

(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:125،بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت