فهرس الكتاب
وَهَذَا الزِّيْتُ يَكَادُ يُضِيءُ بِنَفْسِهِ لِشِدَّةِ صَفَائِهِ، وَلَوْ لَمْ تَمْسَسهُ نارٌ، فَإِذَا أُشْعِلَ اجْتَمَعَ نُورُ الزَّيْتِ، وَنُورُ النَّارِ فِيهِ وَأَضَاآ مَعاً (نورٌ عَلَى نُورٍ) .
وَكَذَلِكَ قَلْبُ المُؤْمِنِ يَعْمَلُ بالهُدَى قَبْلَ أَنْ يَأْتِيهِ العِلْمُ، فَإِذَا جَاءَهُ العِلْمُ ازْدَادَ نُوراً على نُورٍ، وَهُدى عَلَى هُدىً، وَاللهُ يُرْشِدُ مَنْ يَشَاءُ إِلى الصَّوَابِ بالنَّظَرِ والتَّدَبُّرٍ، وَلِيدرِكُوا بِهَا مَعَانِي مَا أَرَادَ اللهُ. واللهُ تَعَالَى عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الهِدَايَةَ فَيَهْدِيهِ، وَبِمَنْ يَسْتَحِقُّ الضَلاَلَ فَيُضِلُّهُ. [1]
قال الإمام ابن القيم رحمه الله"وَالْمِصْبَاحُ هُوَ نُورُ الْإِيمَانِ فِي قَلْبِهِ وَالشَّجَرَةُ الْمُبَارَكَةُ هِيَ شَجَرَةُ الْوَحْيِ الْمُتَضَمِّنَةُ لِلْهُدَى، وَدِينُ الْحَقِّ وَهِيَ مَادَّةُ الْمِصْبَاحِ الَّتِي يَتَّقِدُ مِنْهَا، وَالنُّورُ عَلَى النُّورِ: نُورُ الْفِطْرَةِ الصَّحِيحَةِ وَالْإِدْرَاكِ الصَّحِيحِ، وَنُورُ الْوَحْيِ وَالْكِتَابِ، فَيَنْضَافُ أَحَدُ النُّورَيْنِ إِلَى الْآخَرِ فَيَزْدَادُ الْعَبْدُ نُورًا عَلَى نُورٍ، وَلِهَذَا يَكَادُ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَالْحِكْمَةِ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ"مَا"فِيهِ بِالْأَثَرِ ثُمَّ يَبْلُغُهُ الْأَثَرُ بِمِثْلِ مَا وَقَعَ فِي قَلْبِهِ وَنَطَقَ بِهِ فَيَتَّفِقُ عِنْدَهُ شَاهِدُ الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ وَالْفِطْرَةُ وَالْوَحْيُ فَيُرِيَهُ عَقْلُهُ وَفِطْرَتُهُ وَذَوْقُهُ"أَنَّ"الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - هُوَ الْحَقُّ لَا يَتَعَارَضُ عِنْدَهُ الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ الْبَتَّةَ بَلْ يَتَصَادَقَانِ وَيَتَوَافَقَانِ فَهَذَا عَلَامَةُ النُّورِ عَلَى النُّورِ، عَكْسُ مَنْ تَلَاطَمَتْ فِي قَلْبِهِ"أَمْوَاجُ"الشُّبَهِ الْبَاطِلَةِ، وَالْخَيَالَاتِ الْفَاسِدَةِ مِنَ الظُّنُونِ الْجَهْلِيَّاتِ الَّتِي يُسَمِّيهَا أَهْلُهَا الْقَوَاطِعَ الْعَقْلِيَّاتِ، فَهِيَ فِي صَدْرِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور:40] فَانْظُرْ كَيْفَ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ طَرَائِفَ بَنِي آدَمَ كُلِّهِمْ أَتَمَّ انْتِظَامٍ، وَاشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَكْمَلَ اشْتِمَالٍ." [2]
فالقلب السليم الباقي على فطرته يطمئنُّ إلى الحق، ويصدقه ويؤمن به، وينكر الكذب والباطل ولا يطمئن إليه، بل يحدث له ريبة وقلقا لمخالفته لفطرته السليمة، عَنْ نَوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ، قَالَ: أَقَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالْمَدِينَةِ سَنَةً مَا يَمْنَعُنِي مِنَ الْهِجْرَةِ إِلَّا الْمَسْأَلَةُ، كَانَ أَحَدُنَا إِذَا هَاجَرَ لَمْ يَسْأَلْ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ شَيْءٍ، قَالَ: فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:2708،بترقيم الشاملة آليا)
(2) - اجتماع الجيوش الإسلامية (2/ 52)