فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 1902

وَمَثَّلَ لَنَا شَبَهًا بِقَوْلِهِ: {مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس:78] إِذْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِحْيَاءِ ذَلِكَ أَحَدٌ، يَقُولُ: فَجَعَلَنَا كَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِحْيَاءِ ذَلِكَ مِنَ الْخَلْقِ {وَنَسِيَ خَلْقَهُ} [يس:78] يَقُولُ: وَنَسِيَ خَلْقَنَا إِيَّاهُ كَيْفَ خَلَقْنَاهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ إِلَّا نُطْفَةً، فَجَعَلْنَاهَا خَلْقًا سَوِيًّا نَاطِقًا، يَقُولُ: فَلَمْ يُفَكِّرْ فِي خَلْقِنَاهُ، فَيَعْلَمَ أَنَّ مَنْ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ حَتَّى صَارَ بَشَرًا سَوِيًّا نَاطِقًا مُتَصَرِّفًا، لَا يَعْجَزُ أَنْ يُعِيدَ الْأَمْوَاتَ أَحْيَاءً، وَالْعِظَامَ الرَّمِيمَ بَشَرًا كَهَيْئَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا بِهَا قَبْلَ الْفَنَاءِ يَقُولُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} [البقرة:80] لِهَذَا الْمُشْرِكِ الْقَائِلِ لَكَ: مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ {يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس:79] يَقُولُ: يُحْيِيهَا الَّذِي ابْتَدَعَ خَلْقَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلَمْ تَكُنْ شَيْئًا {وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس:79] يَقُولُ: وَهُوَ بِجَمِيعِ خَلْقِهِ ذُو عِلْمٍ كَيْفَ يُمِيتُ، وَكَيْفَ يُحْيِي، وَكَيْفَ يُبْدِئُ، وَكَيْفَ يُعِيدُ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ خَلْقِهِ" [1] ."

وإذا تأمل المسلم الكثير من شبه المجادلين بالباطل وجدها من هذا الضرب، فإن اعتراضاتهم وشبههم وأقيستهم الفاسدة قائمة على تشبيه صفات الخالق بصفات المخلوق كصفة العلم أو القدرة أو القوَّة أو غيرها من الصفات، وأحيانا يسوون المخلوق بالخالق في العبادة، فيجعلون ما هو حق لله تعالى لغيره من الخلق، كما قال تعالى: {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (99) } [الشعراء:97 - 99]

واللهِ لَقَدْ كُنَّا ضَالِّينَ بِصُورَةٍ جَلِيَّةٍ وَاضِحَةٍ، إذِ اسْتَجَبْنَا لَكُمْ أيُّهَا المَعْبُودُونَ، وعظَّمْنَاكُمْ تَعْظِيمَ المَعْبُودِ الحَقِّ، وسَوِّيْنَاكُمْ بِرَبِّ العَالَمِينَ في اسْتِحَاقِ العِبَادَةِ. ومَا دَعَانا إلى ذَلِكَ، ولا حَمَلَنَا عَلَيْهِ إِلاَّ المُجْرِمُونَ من السَّادَةِ والكُبَرَاءِ، الذينَ أَضَلُّونَا السَّبِيلَ. [2]

قال الإمام ابن كثير رحمه الله:"أَيْ: نَجْعَلُ أَمْرَكُمْ مُطَاعًا كَمَا يُطَاعُ أَمْرُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَعَبَدْنَاكُمْ مَعَ ربِ الْعَالَمِينَ. {وَمَا أَضَلَّنَا إِلا الْمُجْرِمُونَ} أَيْ: مَا دَعَانَا إِلَى ذَلِكَ إِلَّا الْمُجْرِمُونَ." [3]

(1) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (19/ 488)

(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:2911،بترقيم الشاملة آليا)

(3) - تفسير ابن كثير ت سلامة (6/ 150)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت