فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 1902

فَتَعَالَى اللهُ وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ عَنْ أَنْ يَخْلِقُ شَيئْاً عَبَثاً، فَإِنَّهُ المَلِكُ الحَقُّ المُنَزِّهُ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ، لاَ إِلَه إِلاَّ هُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، وَرَبُّ العَرْشِ، (والعَرْشَ هُوَ سَقْفُ جَمِيعِ المَخْلُوقَاتِ) فَهُوَ تَعَالَى المُهَيْمِنُ المُسَيْطِرُ عَلَى جَمِيعِ مَا فِي الوُجَودِ، وَهُوَ الكَرِيمُ. [1]

وقال تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40) } [القيامة:36 - 40]

أَيَظُنُّ الإِنْسَانُ المُنْكِرُ لِلْبَعْثِ أَنَّ اللهَ خَلَقَهُ بِغَيْرِ غَايَةٍ، وَأَنَّهُ يَتْرُكُهُ وَشَأْنَهُ فِي الحَيَاةِ يَفْعَلُ فِيهَا مَا يَشَاءُ، لاَ يُؤْمِرُ بِأَمْرٍ، وَلاَ يُنْهَى عَنْ نَهْيٍ، وَلاَ يُبْعَثُ وَلاَ يُحَاسَبُ؟

كَلاَّ إِنَّهُ لَنْ يُتْرَكَ سُدًى، وَسَيُبَعَثُ وَسَيُحَاسَبُ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِهِ.

وَيُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى الإِنْسَانَ كَيْفَ بَدَأَ اللهُ خَلْقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ ضَعِيفةٍ مِنْ مَنِيٍّ يَقْذِفُهُ الرَّجُلُ فِي رَحِمِ الأَنْثَى، فَالذِي بَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ قَادِرٌ عَلَى إعَادَتِهِ، لأَنَّ الإِعَادَةَ أَهْوَنُ مِنْ البَدْءِ.

ثُمَّ جَعَلَ اللهُ النُّطْفَةَ عَلَقَةً، ثُمَّ تَدَرَّجَ فِي خَلْقِهِ حَتَّى سَوَّاهُ وَأَخْرَجَهُ طِفْلاً كَامِلَ الخَلْقِ.

وَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى المَوَالِيدَ ذُكُوراً وَإِنَاثاً، لِتَسْتَمِرَّ الحَيَاةُ عَلَى الأَرْضِ عَنْ طَرِيقِ التَّزَاوُجِ بَيْنَ الذُّكُورِ والإِنَاثِ. أَلْيَسَ الذِي أَنْشَأَ هَذَا الخَلْقَ، مِنْ هَذِهِ النُّطْفَةِ الضَّعِيفَةِ، بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُعِيدَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ جَدِيدٍ، وَأَنْ يُحْيِيَ المَوْتَى؟ مَعَ أَنَّ الإِعَادَةَ أَهْوَنُ مِنَ الابْتِدَاءِ؟ [2]

قال الإمام ابن القيِّم رحمه الله: وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة:36] قَالَ الشَّافِعِيُّ: مُهْمَلًا لَا يُؤْمَرُ وَلَا يُنْهَى، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يُثَابُ وَلَا يُعَاقَبُ، وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ، فَأَنْكَرَ عَلَى مَنْ يَحْسَبُ ذَلِكَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَبِيحٌ تَأْبَاهُ حِكْمَتُهُ وَعِزَّتُهُ، وَأَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِهِ، وَلِهَذَا اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتْرُكُهُ سُدًى بِقَوْلِهِ: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى} [القيامة:37] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَلَوْ كَانَ قُبْحُهُ إِنَّمَا عُلِمَ بِالسَّمْعِ لَكَانَ يَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ خِلَافُ السَّمْعِ، وَخِلَافُ مَا أَعْلَمَنَاهُ وَأَخْبَرَنَا بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ إِنْكَارُهُ لِكَوْنِهِ قَبِيحًا فِي نَفْسِهِ، بَلْ لِكَوْنِهِ خِلَافَ مَا أَخْبَرَ بِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَيْسَ وَجْهَ الْكَلَامِ.

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:2668،بترقيم الشاملة آليا)

(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:5465،بترقيم الشاملة آليا) -

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت