فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 1902

المُنْكِرِينَ إِنْزَالَ كِتَابٍ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى البَشَرِ: مَنِ الذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، لِيَكُونَ نُوراً يُسْتَضَاءُ بِهِ فِي كَشْفِ الغَوَامِضِ، وَحَلِّ المُشْكِلاَتِ، وَهُدىً يَهْتَدِي بِهِ مِنْ ظُلَمِ الشُّبُهَاتِ؟

وَمُشْرِكُو العَرَبِ يُقِرُّونَ بِأنَّ التَّوْرَاةَ مُنَزَّلَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ عَلَى رَسُولِهِ مُوسَى، لِذَلِكَ يَكُونُ تَعَالَى قَدْ أَقَامَ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ بَأنَّ اللهَ يُنَزِّلُ الوَحْيَ وَالكُتُبَ عَلَى مَنْ يَخْتَارُهُمْ مِنْ خَلْقِهِ لِحَمْلِ رِسَالاَتِهِ.

وَقَدْ أَرْسَلَ مُشْرِكُو قُرَيشٍ وَفْداً إلَى المَدِينَةِ يَسْأَلُونَ أَحْبَارَ اليَهُودِ عَمَّا يَجِدُونَهُ فِي كُتُبِهِمْ عَنْ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - وَصِفَتِهِ، فَرَدَّ الأَحْبَارُ عَلَيْهِم: إِنَّهُمْ لاَ يَعْرِفُونَ عَنْهُ شَيْئاً. وَقَدْ اهْتَدَى اليَهُودُ بِالتَّوْرَاةِ، وَصَارُوا خَلْقاً آخَرَ مُتَمَسِّكاً بِالحَقِّ وَالعَدْلِ، حَتَّى اخْتَلَفُوا، وَنُسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ، وَاتَّبَعُو أَهْوَاءَهُمْ، وَجَعَلُوا كِتَابَهُمْ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا عِنْدَ الحَاجَةِ، فَكَانَ الحِبْرُ مِنْ أَحْبَارِهِمْ إذَا اسْتُفْتِيَ فِي مَسْأَلَةٍ لَهُ هَوًى فِي إِظْهَارِ حُكْمِ اللهِ فِيهَا كَتَبَ ذَلِكَ الحُكْمَ فِي قِرْطَاسٍ، وَأَظْهَرَهُ لِلْمُسْتَفْتِي وَخُصُومِهِ. وَكَانُوا يُخْفُونَ كَثِيراً مِنْ أَحْكَامِ الكِتَابِ وَأَخْبَارِهِ، إذَا كَانَ لَهُمْ هَوًى فِي ذَلِكَ وَمَصْلَحَةً. وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أنَّ الكِتَابَ كَانَ فِي أَيْدِي الأَحْبَارِ، وَلَمْ تَكُنْ فِي أَيْدِي العَامَّةِ نَسَخَ مِنْهُ، وَقَدْ أَخْفَى اليَهَودُ حُكْمَ رَجْمِ الزَّانِي فِي المَدِينَةِ، وَأَخْفَوا البِشَارَةَ الوَارِدَةَ فِي التَّوْرَاةِ بِبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -،وَكَتَمُوا صِفَتَهُ عَنِ العَامَّةِ، وَصَرَفُوهَا إلى مَعَانٍ أُخْرَى بِالنِّسْبَةِ لِلْخَاصَّةِ، لِكَيْلاَ يَتْبَعَهُ اليَهُودُ.

وَيَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - بِأَنْ يَتَوَلَّى هُوَ الجَوَابَ عَنْ هَذا السُّؤَالِ إذَا سَكَتَ الكُفَّارُ: وَلْيَقُلْ إنَّ الذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاة هُوَ اللهُ، ثُمَّ عَلَيهِ أَنْ يَتْرُكَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الضِّلالِ يَخُوضُونَ وَيَلْعَبُونَ كَالصِّبْيَانِ. [1]

وقال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) } [المؤمنون:115،116] .

هَلْ ظَنَنْتُمْ أَيُّهَا الأَشْقِيَاءُ أَنَّنا خَلَقْنَاكُمْ لَعِباً وَبَاطِلاً (عَبَثاً) ،وَأَنَّنا لاَ حِكْمَةَ لَنَا فِي خَلْقِكُمْ؟ إِنَّنا لَمْ نَخْلُقْكُم عَبَثاً وَلاَ بَاطِلاً لِلَّعِبِ والتَّسْلِيَةِ، وإِنَّمَا خَلَقْنَاكُمَ لِتَعْبُدوا اللهَ، وَتُقِيمُوا أَوَامِرَهُ، فَهْلْ حَسَبْتُمْ أَنَّكُمْ لاَ تَرْجِعُونَ إِلَيْنَا فِي الآخِرَةِ لِنُحَاسِبَكُم عَلَى أَعْمَالِكُمْ؟

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:881،بترقيم الشاملة آليا) -

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت