فهرس الكتاب
وَغَيْرِهِ، وَلَوْ أَرَادُوا اسْتِنْقَاذَهُ مِنْهُ لِمَا قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ، فَإِذًَا عَجَزَ هَؤُلاءِ عَنْ خَلْقِ الذُّبَابِ، وَعَنْ مُقَاوَمَتِهِ، وَهُوَ من أَضْعَفِ مَا خَلَقَ اللهُ، فَهُمْ أَعْجَزُ عَنِ الإِتْيَانِ بِشيءٍ آخَرَ، فَكَيْفَ يَعْبُدُهم عَاقِلٌ؟ ضَعُفَ الصَّنَمُ الطَّالِبُ، وَضَعُفَ الذُّبَابُ المَطْلُوبُ.
مَا عَرَفَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ قَدْرَ الله وَعَظَمَتَهُ حِينَ أَشْرَكُوا مَعَهُ فِي العِبَادَةِ سِوَاهُ مِنَ الأَصْنَامِ التِي لاَ تَسْتْطيعُ مُقَاوَمَةَ الذُّبَابِ لِضَعْفِهَا وَعَجْزِها. واللهُ هُوَ القَادِرُ الذِي خَلَقَ الكَوْنَ وَكُلَّ مَا فِيهِ، وَلاَ يُعْجِزُه خَلْقٌ وَلاَ مَخْلُوقٌ، وَهُوَ العَزِيزُ الذي لا يَضام وَلاَ يُرَامُ. [1]
وقال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر:67]
مَا عَظَّمَ هَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ اللهَ حَقَّ التَّعْظِيمِ الذِي يَسْتَحِقُّهُ جَنَابُهُ، إِذ عَبَدُوا مَعَهُ غَيْرَهُ، وَهُوَ العَظِيمُ القَادِرُ، المَالِكُ لِكُلِّ شَيءٍ، وَالأَرْضُ كُلُّهَا تَكُونُ فِي قَبْضَتِهِ تَعَالَى، وَطَوْعَ أَمْرِهِ وَتَحْتَ قَدَرِهِ وَسُلْطَانِهِ، والسَّمَاوَاتُ تُطْوَى يَوْمَ القِيَامَةِ بِيَمِينِهِ تَعَالَى طَيَّ السِّجِل عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الكِتَابَةِ، لاَ يَسْتَعْصِي عَلَيِهِ شَيءٌ، تَعَالَى الله وَتَنَّزَهَ عَمَّا يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ، وعَمَّا يَجْعَلُونَ لَهُ مِنَ الشُّرَكَاءِ وَالأَنْدَادِ، والصَّاحِبَةِ والوَلَدِ. [2]
فمن جهل صفات الله تبارك وتعالى وأشرك معه غيره لم يقدِّره حقَّ قدره، وكذلك لم يقدِّر الله حق قدره من ظنَ أن الله تعالى خلق الجن والإنس عبثا، وأنه يتركهم سدى لا يرسل إليهم رسلا يدعونهم إلى عبودية الله وتحكيم شريعته، كما قال الله تبارك وتعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} [الأنعام:91] .
مَا عَرَفَ مُنْكِرُو الوَحْيِ، مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، اللهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، وَلاَ عَظَّمُوهُ حَقَّ التَّعْظِيمِ الذِي يَسْتَحِقُهُ، إذْ كَذَّبُوا رَسُولَهُمْ - صلى الله عليه وسلم -؛وَقَالُوا: (مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيءٍ) ،فَقُلْ، يَا مُحَمَّدُ، لِهَؤُلاَءِ
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:2548،بترقيم الشاملة آليا)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:4004،بترقيم الشاملة آليا) -