فهرس الكتاب

الصفحة 1497 من 1902

فجهاد الطلب من الأمور الواضحة البينة، ومن المقررات عند علماء المسلمين وعوامهم، وقد مضى المسلمون على هذا، حتى أظهر في زماننا بعض المهزومين المبتدعة القول بإنكار جهاد الطلب وأن الجهاد في الإسلام إنما هو جهاد دفع فقط، وخالفوا بهذا كتاب الله تعالى، وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -،والإجماع، واتبعوا المتشابه وحرفوا الكلم عن مواضعه وافتروا على الله الكذب وأنكروا فريضة من فرائض الله، وجعلوا لله شركاء في أرضه وخلقه، فغاية قولهم أن طواغيت الكفار وأحزابهم السياسية من حقهم أن يتسلطوا على أجزاء من أرض الله ويحكموا فيها، ومن حقهم أن يستعبدوا الشعوب التي تحت تسلطهم وقهرهم، كقول الذين قال الله تعالى عنهم: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الأنعام:136]

يَذُمُّ اللهُ تَعَالَى المُشْرِكِينَ، وَيُوَبِّخُهُمْ عَلَى مَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ بِدَعٍ وَكُفْرٍ وَشِرْكٍ، وَعَلَى مَا جَعَلُوهُ للهِ، مِنْ أَنْدَادٍ وَشُرَكَاءَ وَهُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ. فَقَدْ جَعَلُوا لَهُ نَصِيباً مِمَّا خَلَقَ (ذَرَأَ) مِنْ زُرُوعٍ وَثِمَارٍ (مِنَ الحَرْثِ) ،وَمِنَ البَهَائِمِ وَالأَنْعَامِ، وَجَعَلُوا لِمَنْ أَشْرَكُوهُمْ فِي العِبَادَةِ مَعَ اللهِ، مِنَ الأَصْنَامِ وَالأَوْثَانِ، نَصِيباً آخَرَ فَقَالُوا:- فِيمَا زَعَمُوا وَلَيْسَ لَهُمْ دَلِيلٌ عَلَيهِ - فِي النَّصِيبِ الأَوَّلِ هَذَا للهِ نَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيهِ. وَقَالُوا فِي النَّصِيبِ الثَّانِي: هَذَا لِمَعْبُودَاتِنَا (لِشُرَكَائِنَا) ،نَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْهَا، فَكَانُوا يُنْفِقُونَ نَصِيبَ اللهِ عَلَى قِرَى الأَضْيَافِ، وَإِكْرَامِ الصّبْيَانِ، وَالتَّصَدُّقِ عَلَى المَسَاكِينِ. أَمَّا نَصِيبُ آلِهَتِهِمْ فَكَانُوا يُنْفِقُونَهُ عَلَى سَدَنَتِهَا، وَعَلَى القَرَابِينِ إِلَيْها. فَمَا خَصُّوا مَعْبُُودَاتِهِمْ بِهِ، مَا كَانَ لِيَصْرِفَ شَيءٌ مِنْهُ فيِ الوُجُوهِ التِي جَعَلَهَا للهِ، بَلْ يَهْتَمُونَ بِحِفْظِهِ عَلَى السَّدَنَةِ، وَعَلَى ذَبْحِ القَرَابِينِ إِلَيْها. وَمَا خَصُّوا بِهِ اللهَ، وَجَعَلُوهُ لَهُ، فَكَانُوا يُحَوِّلُونَهُ أَحْيَاناً إلَى الأَصْنَامِ. وَقَدْ ذَمَّهُمُ اللهُ تَعَالَى عَلَى تَصَرُّفِهِمْ هَذَا فَقَالَ: (سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) ،إِذْ أَنَّهُمْ أَخْطَؤُوا أَوْلاً فِي القَسَمِ وَالتَّخْصِيصِ، لأنَّ اللهَ تَعَالَى رَبُّ كُلِّ شَيءٍ، فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَاسَ بِهِ أَحَدٌ. ثُمَّ إِنَّهُمْ لَمَّا قَسَمُوا هَذِهِ القِسْمَةَ الفَاسِدََ لَمْ يُحَافِظُوا عَلَيْهَا، بَلْ جَارُوا فِيهَا وَتَجاوَزُوا الحَدَّ. [1]

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:926،بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت