فهرس الكتاب

الصفحة 1499 من 1902

ولا يجوز للمسلمين بإجماع العلماء، أنْ يسلِّموا أمرهم طواعيةً إلى الكفار [1] ،أو أن يرضوا بعلو الكافرين على المسلمين، أو يقروُّهم على احتلال الأرض التي ظهرت عليها يدُ الإسلام، فإنْ لم يكن للمسلمين طاقة بقتال الكفار، هادنوهم ريثما تحصل لهم القوة على عدوهم، ويجبُ عليهم في هذه الحال، أن يعدُّوا العُدَّة للجهاد للخلاص مما هم فيه من ظهور كلمة الكفار عليهم، فإن لم يفعلوا وركنوا إلى ما هم فيه من الذلِّ والهوان، تحت حكم الكافرين، يحكمون فيهم بشريعة الكفر، بدلَ شريعة الإسلام، عوقبوا بسبب خذلانهم للإسلام، بألوانٍ الفتنِ والفساد، وشتت اللهُ أمرهم، وضربَ قلوبَ بعضهم ببعض، وظهرت عليهم الذلةُّ والمسكنة وباءوا بغضبٍ من الله تعالى، كما عاقب الله تعالى بني إسرائيل على الذنب نفسه، وحكي ذلك في القرآن العظيم، في غير موضع، قال تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} (113) سورة هود

قال الإمام النووي:"قَالَ أَصْحَابنَا: الْجِهَاد الْيَوْم فَرْض كِفَايَة، إِلَّا أَنْ يَنْزِل الْكُفَّار بِبَلَدِ الْمُسْلِمِينَ فَيَتَعَيَّن عَلَيْهِمْ الْجِهَاد، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَهْل ذَلِكَ الْبَلَد كِفَايَة وَجَبَ عَلَى مَنْ يَلِيهِمْ تَتْمِيم الْكِفَايَة" [2]

وقال أبو بكر الجصاص:"قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَمَالِكٌ، وَسَائِرُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ:"إنَّ الْجِهَادَ فَرْضٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، إلَّا أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ إذَا قَامَ بِهِ بَعْضُهُمْ كَانَ الْبَاقُونَ فِي سَعَةٍ مِنْ تَرْكِهِ".،وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ كَانَ يَقُولُ: لَيْسَ بِفَرْضٍ، وَلَكِنْ لَا يَسَعُ النَّاسَ أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى تَرْكِهِ، وَيَجْزِي فِيهِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَإِنْ كَانَ هَذَا قَوْلَ سُفْيَانَ فَإِنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَذْهَبِ أَصْحَابِنَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَمَعْلُومٌ فِي اعْتِقَادِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ إذَا خَافَ أَهْلُ الثُّغُورِ مِنْ الْعَدُوِّ، وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمْ مُقَاوِمَةٌ لَهُمْ فَخَافُوا عَلَى بِلَادِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ" [3] .

(1) - قد فصلت القول في ذلك في كتابي (( تحريم الاستسلام للكفار ) )

(2) - شرح النووي على مسلم (13/ 9)

(3) - أحكام القرآن للجصاص ط العلمية (3/ 146)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت