فهرس الكتاب
وعَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَمِقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ آمَنَ رَجُلًا عَلَى دَمِهِ فَقَتَلَهُ فَأَنَا بَرِيءٌ مِنَ الْقَاتِلِ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ كَافِرًا» [1]
والكفار إما أهل حرب، وإما أهل عهد، وأهل العهد ينقسمون إلى ثلاثة أقسام، أهل هدنة، وأهل أمان، وأهل ذمة.
فأما أهل الهدنة فهم الذين يقيمون في دارهم وصالحوا الدولة الإسلامية على وقف الحرب إلى أجل، وهذه المصالحة أو المعاهدة ليست مؤبدة، ولا يقدم عليها الإمام إلا إذا اقتضت المصلحة الشرعية ذلك كما لو كان بالمسلمين ضعف، وأما في حال القوة فلا يجوز للإمام أن يقدم على المصالحة، وقد قال تعالى: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد:35]
فَلا تَضْعُفُوا يَا أَيُّها المُؤْمِنُونَ عَنِ الجِهَادِ، وَقِتَالِ الكُفَّارِ وَالمُشْرِكِينَ، وَلا تَدْعُوا إلى المُهَادَنةِ وَالمُسَالَمةِ وَوَضْعِ القِتَالِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ، وأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ الغَالِبُونَ بِقُوَّةِ الإِيمَانِ، وَاللهُ مَعَكُمْ يَنْصُرُكُمْ عَلَيهِم، وَلاَ يَظْلِمُكُمْ شَيْئاً مِنْ ثوابِ أعْمَالِكُمْ. [2]
قال الإمام ابن كثير رحمه الله:" {فَلا تَهِنُوا} أَيْ: لَا تَضْعُفُوا عَنِ الْأَعْدَاءِ، {وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ} أَيِ: الْمُهَادَنَةِ وَالْمُسَالَمَةِ، وَوَضْعِ الْقِتَالِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْكُفَّارِ فِي حَالِ قُوَّتِكُمْ وَكَثْرَةِ عَدَدِكم وعُدَدِكُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ} أَيْ: فِي حَالِ عُلُوِّكُمْ عَلَى عَدُّوِكُمْ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْكُفَّارُ فِيهِمْ قُوَّةٌ وَكَثْرَةٌ (2) بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَرَأَى الْإِمَامُ فِي الْمُعَاهَدَةِ وَالْمُهَادَنَةِ مَصْلَحَةً، فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، كَمَا فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ صَدَّهُ كُفَّارُ قُرَيْشٍ عَنْ مَكَّةَ، وَدَعَوْهُ إِلَى الصُّلْحِ وَوَضْعِ الْحَرْبِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ عَشْرَ سِنِينَ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: {وَاللَّهُ مَعَكُمْ} فِيهِ بِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ عَلَى الْأَعْدَاءِ، {وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} أَيْ: وَلَنْ يُحْبِطَهَا وَيُبْطِلَهَا وَيَسْلُبَكُمْ إِيَّاهَا، بَلْ يُوَفِّيكُمْ ثَوَابَهَا وَلَا يُنْقِصُكُمْ مِنْهَا شَيْئًا." [3] .
(1) - المعجم الصغير للطبراني (1/ 350) (584) والمعجم الأوسط (7/ 136) (7090) حسن
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:4459،بترقيم الشاملة آليا)
(3) - تفسير ابن كثير ت سلامة (7/ 323)