فهرس الكتاب
كَانَ المُشْرِكُونَ يَجْلِسُونَ إلى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يُحِبُّونَ أَنْ يَسْمَعُوا مِنْهُ، فَإِذَا سَمِعُوا اسْتَهْزَؤُوا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَجَعَلَ النَّبِيُّ إذَا اسْتَهْزَؤُوا قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِمْ فَحَذِرُوا، وَقَالُوا لاَ تَسْتَهْزِئُوا فَيَقُومُ. وَالمُخَاطَبُ بِهَذِهِ الآيَةِ الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - وَالمُؤْمِنُونَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، فَإِذَا رَأَى المُؤْمِنُ الذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِ اللهِ المُنْزَلَةِ، مِنَ الكُفَّارِ المُكَذِّبِينَ، وَأَهْلَ الأَهْوَاءِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَصُدَّ عَنْهُمْ بِوَجْهِهِ، وَأَنْ لاَ يَجْلِسَ مَعَهُمْ حَتَّى يَأْخُذُوا فِي حَدِيثٍ آخَرَ غَيْرَ حَدِيثِ الكُفْرِ وَالاسْتِهْزَاءِ بِآيَاتِ اللهِ أَوْ تَأْوِيلِهَا بِالبَاطِلِ مِنْ جَانِبِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ، وَإِذَا أَنْسَاكَ الشَّيْطَانُ، أَيُّهَا المُؤْمِنُ، هَذَا النَّهْيَ، وَقَعَدْتَ مَعَهُمْ، وَهُمْ عَلَى تِلْكَ الحَالِ، ثُمَّ ذَكَرْتَ فَقُمْ عَنْهُمْ، وَلاَ تَقْعُدْ مَعَ هؤُلاَءِ الظَّالِمِينَ لأَنْفُسِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ بِآيَاتِ اللهِ، وَالاسْتِهْزَاءِ بِهَا. [1]
فنهى الله تعالى على القعود مع الذين يخوضون في آيات الله تعالى، وخوضهم فيها هو تكذيبهم واستهزاؤهم وطعنهم فيها، وقد أخرج ابن أبي حاتم وعَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [الأنعام:68] قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، نُهِيَ أَنْ يَقْعُدَ مَعَهُمْ إِذَا سَمِعَهُمْ يَقُولُونَ فِي الْقُرْآنِ غَيْرَ الْحَقِّ" [2] "
فالتحاكم إلى الطاغوت المسمى إفكا وزورا بالشرعية الدولية والإعراض عن شرع الله تعالى من الكفر الأكبر المخرج من الملة، وقد قال تعالى {أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (87) } [الصافات]
أَتَتَّخِذُونَ أَصْنَاماً تَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللهِ، وَتَزْعُمُونَ إِفْكاً وَكَذِباً أَنَّهَا آلِهَةٌ دُونَ أَنْ يَكُونَ لَكُمْ حُجَّةٌ أَو دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ؟ إِنَّ هَذَا لَخَطَأ جَسِيمٌ. أَعَلِمْتُمْ أيَّ شيءٍ هُوَ رَبُّ العَالَمِينَ حَتَّى جَعَلْتُمُ الأَصْنَامَ وَالأَنْدَادَ لَهُ شُرَكَاءَ فِي العِبَادَةِ. [3]
وقال تعالى: وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ
(1) -أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 858، بترقيم الشاملة آليا)
(2) - تفسير ابن أبي حاتم، الأصيل - مخرجا (4/ 1315) (7433) صحيح
(3) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:3753،بترقيم الشاملة آليا)