فهرس الكتاب
(وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِيمَا يَرْوِي) أَيْ: بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا، يَقَظَةً أَوْ مَنَامًا، بِاللَّفْظِ أَوِ الْمَعْنَى (عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ) أَيْ: تَكَاثَرَ خَيْرُهُ وَظَهَرَ فِي هَذَا الْخَيْرِ بَعْضُ أَثَرِهِ، (وَتَعَالَى) أَيْ: عَنْ مُشَابَهَةِ الْمَخْلُوقِينَ فِي الرِّوَايَةِ وَغَيْرِهَا (أَنَّهُ) :ضُبِطَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا، فَتَأَمَّلْ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا (قَالَ:"يَا عِبَادِي) :قَالَ الطِّيبِيُّ: الْخِطَابُ لِلثَّقَلَيْنِ لِتَعَاقُبِ التَّقْوَى وَالْفُجُورِ فِيهِمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُمَّ الْمَلَائِكَةَ فَيَكُونُ ذِكْرُهُمْ مُدْرَجًا فِي الْجِنِّ لِشُمُولِ الِاجْتِنَانِ لَهُمْ، وَتَوَجُّهُ هَذَا الْخِطَابِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى صُدُورِ الْفُجُورِ، وَلَا عَلَى إِمْكَانِهِ. اهـ. وَكَذَا الْجُوعُ وَالْعُرْيُ، لَكِنَّ الْأَوْلَى الْحَمْلُ عَلَى الْإِمْكَانِ الْعَقْلِيِّ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى الْخِطَابِ التَّغْلِيبِيِّ ( «إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي» ) أَيْ: تَقَدَّسْتُ عَنْهُ وَتَعَالَيْتُ، فَهُوَ فِي حَقِّي كَالْمُحَرَّمِ فِي حَقِّ النَّاسِ، إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ ظُلْمٌ، سَوَاءٌ قُلْنَا: إِنَّ الظُّلْمَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ، أَوْ أَنَّهُ التَّعَدِّي فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، وَهُوَ الْمَحْمُودُ فِي كُلِّ أَفْعَالِهِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، لِأَنَّ فِعْلَهُ إِمَّا عَدْلٌ، وَإِمَّا فَضْلٌ. (وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا) :قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ تَحْرِيمًا غَلِيظًا جِدًّا، فَهُوَ آكَدُ مِنْ حُرْمَتِهِ عَلَيْكُمْ، فَلِذَا عَدَلَ إِلَيْهِ. اهـ."
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْعُدُولَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ الْمُشَارَكَةَ فِي مَعْنَى التَّحْرِيمِ السَّابِقِ، (فَلَا تَظَالَمُوا) :بِفَتْحِ التَّاءِ حُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا أَيْ: لَا يَظْلِمُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، فَإِنِّي أَنْتَقِمُ لِلْمَظْلُومِ مِنْ ظَالِمِهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ:" «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى جَلَّ جَلَالُهُ لَأَنْتَصِرَنَّ لِلْمَظْلُومِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» ".وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} [إبراهيم:42] فَهُوَ يُمْهِلُ وَلَا يُهْمِلُ (يَا عِبَادِي) :كَرَّرَهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى فَخَامَتِهِ وَالِاعْتِنَاءِ بِشَأْنِهِ. قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ إِيمَاءٌ إِلَى مُقْتَضَى الْعُبُودِيَّةِ مِنَ الِافْتِقَارِ إِلَى مُرَاعَاةِ حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ (كُلُّكُمْ ضَالٌّ) أَيْ: عَنْ كُلِّ كَمَالٍ وَسَعَادَةٍ دِينِيَّةٍ وَدُنْيَوِيَّةٍ (إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ) :قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ وَصْفُهُمْ بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لَا أَنَّهُمْ خُلِقُوا فِي الضَّلَالَةِ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُرَادَ أَنَّهُمْ لَوْ تُرِكُوا بِمَا فِي طِبَاعِهِمْ لَضَلُّوا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:"«إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ فِي"