فهرس الكتاب
ظُلْمَةٍ ثُمَّ رَشَّ عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ»"،وَهُوَ لَا يُنَافِي قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:"كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ"فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْفِطْرَةِ التَّوْحِيدُ، وَالْمُرَادَ بِالضَّلَالَةِ جَهَالَةُ تَفْصِيلِ أَحْكَامِ الْإِيمَانِ وَحُدُودِ الْإِسْلَامِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا} [الضحى:7] وَقِيلَ: مَعْنَاهُ عَاشِقًا (فَاسْتَهْدُونِي) أَيِ: اطْلُبُوا الْهِدَايَةَ مِنِّي أَيَّ نَوْعٍ مِنْهَا (أَهْدِكُمْ) :إِذْ لَا هَادِيَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا، وَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الِامْتِنَانِ بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ شَرَعَ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ تَكْمِيلًا لِلْمَرْتَبَتَيْنِ، مُقْتَصِرًا عَلَى الْأَمْرَيْنِ الْأَهَمَّيْنِ مِنْهَا، وَهُوَ الْأَكْلُ وَاللُّبْسُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي وَصْفِ الْجَنَّةِ: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى - وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى} [طه:118 - 119] وَلَعَلَّ تَرْكَ الظَّمَأِ اكْتِفَاءٌ بِدَلَالَةِ الْمُقَابَلَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل:81] أَيْ: وَالْبَرْدَ، وَتَرْكُ الْمَأْوَى لِشُمُولِ الْكُسْوَةِ الَّتِي هِيَ السُّتْرَةُ لَهُ إِيمَاءٌ أَوْ إِشَارَةٌ (يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ) أَيْ: مُحْتَاجٌ إِلَى الطَّعَامِ (إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ) أَيْ: مَنْ أَطْعَمْتُهُ وَبَسَطْتُ عَلَيْهِ الرِّزْقَ وَأَغْنَيْتُهُ، فَلَا يَشْكُلُ أَنَّ الْإِطْعَامَ عَامٌّ لِلْجَمِيعِ، فَكَيْفَ يَسْتَثْنِي (فَاسْتَطْعِمُونِي) أَيِ: اطْلُبُوا الطَّعَامَ مِنْ جَنَابِي وَتَيْسِيرَ الْقُوتِ وَالْقُوَّةَ مِنْ بَابِي، (أُطْعِمْكُمْ. يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ) أَيْ: مُحْتَاجٌ إِلَى سَتْرِ عَوْرَتِهِ وَإِلَى التَّنَعُّمِ بِأَنْوَاعِ لِبَاسِهِ وَزِينَتِهِ (إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي) أَيِ: اطْلُبُوا مِنِّي الْكُسْوَةَ (أَكْسُكُمْ) :بِضَمِّ السِّينِ أَيْ: أُيَسِّرْ لَكُمْ حَالَاتِكُمْ، وَأُزِيلُ عَنْكُمْ مَسَاوِئَ كَشْفِ سَوْآتِكُمْ."
قَالَ الطِّيبِيُّ، فَإِنْ قُلْتَ: مَا مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ وَكَسَوْتُهُ، إِذْ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ مَحْرُومًا مِنْهُمَا قُلْتُ: الْإِطْعَامُ وَالْكُسْوَةُ لَمَّا كَانَا مُعَبِّرَيْنِ عَنِ النَّفْعِ التَّامِّ وَالْبَسْطِ فِي الرِّزْقِ وَعَدَمُهُمَا عَنِ التَّقْتِيرِ وَالتَّضْيِيقِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ} [الرعد:26] سَهَّلَ التَّخَيُّلَ عَنِ الْجَوَابِ، فَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ إِثْبَاتِ الْجُوعِ وَالْعُرْيِ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ نَفْيَ الشِّبَعِ وَالْكُسْوَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَيْسَ فِي الْمُسْتَثْنَى إِثْبَاتُ الشِّبَعِ وَالْكُسْوَةِ مُطْلَقًا، بَلِ الْمُرَادُ بَسْطُهُمَا وَتَكْثِيرُهُمَا، وَيُوَضِّحُهُ الْحَدِيثُ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنَ الْفَصْلِ الثَّانِي، أَنَّهُ وَضَعَ قَوْلَهُ: كُلُّكُمْ فُقَرَاءُ إِلَّا مَنْ أَغْنَيْتُهُ فِي مَوْضِعِهِ. اهـ. وَهُوَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْبَهَاءِ، وَهُوَ عَيْنُ مَا أَخَذَهُ ابْنُ حَجَرٍ عَنْهُ، ثُمَّ أَغْرَبَ وَقَالَ: وَهَذَا الَّذِي قَرَّرْتُهُ أَوْلَى مِمَّا سَلَكَهُ شَارِحٌ فَتَأَمَّلْهُ.
(يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ) :بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِهِمَا، وَقِيلَ يَجُوزُ ضَمُّهُمَا تَخْفِيفًا بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ. فِي الْقَامُوسِ: خَطَأَ فِي ذَنْبِهِ وَأَخْطَأَ: سَلَكَ سَبِيلَ الْخَطَأِ عَامِدًا أَوْ غَيْرَهُ، أَوِ