فهرس الكتاب
أن للإمام أو الدولة التدخل لتنظيم المرافق والأموال العامة التي يشترك فيها المسلمون لتحقيق مقصد شرعي.
الحالة الرابعة: تنفيذ فروض الكفاية المنوطة بالدولة، حيث جعل الشرع تنفيذ بعض فروع الكفاية منوطاً بالدولة كجمع الزكاة والجهاد ونحو ذلك. فللدولة حينئذ وضع تنظيم إجرائي لتنفيذ هذه الفروض المناطة بها، ومن ذلك أن عثمان رضي الله عنه كان يحدد شهراً معيناً لجمع الزكاة كما ورد في الموطأ [1] .
ومن هذا العرض للشواهد الشرعية التي تبين الأحوال المخصوصة التي أذن الشارع للدولة بالتدخل فيها بالمنع أو بالإلزام من بعض أفراد المباح بهدف تحقيق مقصود شرعي يظهر جلياً أن الأصل في غير هذه الأحوال أن ليس للدولة تحريم المباح والمنع منه، أو إيجابه، أوقصر فعله على من حصل على ترخيص منها، لأن الإباحة حكم من خالق العباد وربهم تعالى، ومتى ثبت بالدليل الشرعي إباحة الفعل فليس لمخلوق المنع أو الإلزام به على وجه الإطلاق، كمايدل على ذلك حديث عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ» ،وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ
(1) - عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ قُدَامَةَ، عَنْ أَبِيهَا أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ إِذَا جِئْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَقْبِضُ عَطَائِي، سَأَلَنِي: «هَلْ عِنْدَكَ مِنْ مَالٍ وَجَبَتْ عَلَيْكَ فِيهِ الزَّكَاةُ؟» قَالَ: فَإِنْ قُلْتُ: نَعَمْ. «أَخَذَ مِنْ عَطَائِي زَكَاةَ ذَلِكَ الْمَالِ» .وَإِنْ قُلْتُ: لَا. «دَفَعَ إِلَيَّ عَطَائِي» موطأ مالك ت عبد الباقي (1/ 246) (5) صحيح
وعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ يَقُولُ: «هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ. فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّ دَيْنَهُ. حَتَّى تَحْصُلَ أَمْوَالُكُمْ فَتُؤَدُّونَ مِنْهُ الزَّكَاةَ» موطأ مالك ت عبد الباقي (1/ 253) (17) صحيح