فهرس الكتاب
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشاطر بعض ولاته الذين وردوا عليه من ولاياتهم بأموال لم تكن لهم، استجابة لمصلحة عامة، وهو البعد بالملكية عن الشبهات، وعن اتخاذها وسيلة للثراء غير المشروع، وكذلك يحق للدولة التدخل في الملكيات الخاصة المشروعة لتحقيق العدل في التوزيع، [1]
سواء في حق أصل الملكية، أو منع المباح، أو في تقييد حرية التملك الذي هو من باب تقييد المباح، والملكية من المباحات قبل الإسلام وبعده إذا أدى استعمال الملك إلى ضرر عام. وعلى هذا فيحق لولي الأمر العادل أن يفرض قيوداً على الملكية الزراعية، فيحددها بمقدار مساحة معينة، أو ينتزعها من أصحابها إذا عطلها أو أهملها حتى خربت، أو ينزع ملكيتها من أي شخص مع دفع تعويض عادل عنها، إذا اقتضت المصلحة العامة أو النفع العام ذلك.
كماحدث في وقتنا الحاضر من تأميم المصارف والشركات الكبرى، وكما فعل عمر بن الخطاب في سبيل توسعة المسجد الحرام حينما ضاق على الناس، فأجبر الناس المجاورين للمسجد على بيع دورهم المحيطة به، فعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: كَانَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ لَيْسَ عَلَيْهِ جُدُرَاتٌ مُحَاطَةٌ، إِنَّمَا كَانَتِ الدُّورُ مُحْدِقَةً بِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، غَيْرَ أَنَّ بَيْنَ الدُّورِ أَبْوَابًا يَدْخُلُ مِنْهَا النَّاسُ مِنْ كُلِّ نَوَاحِيهِ فَضَاقَ عَلَى النَّاسِ، فَاشْتَرَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دُورًا فَهَدَمَهَا، وَهَدَمَ عَلَى مَنْ قَرُبَ مِنَ الْمَسْجِدِ وَأَبَى بَعْضُهُمْ أَنْ يَأْخُذَ الثَّمَنَ، وَتَمَنَّعَ مِنَ الْبَيْعِ، فَوُضِعَتْ أَثْمَانُهَا فِي خِزَانَةِ الْكَعْبَةِ حَتَّى أَخَذُوهَا بَعْدُ، ثُمَّ أَحَاطَ عَلَيْهِ جِدَارًا قَصِيرًا، وَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ: إِنَّمَا نَزَلْتُمْ عَلَى الْكَعْبَةِ فَهُوَ فِنَاؤُهُا، وَلَمْ تَنْزِلِ الْكَعْبَةُ عَلَيْكُمْ، ثُمَّ كَثُرَ النَّاسُ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَوَسَّعَ الْمَسْجِدَ، وَاشْتَرَى مِنْ قَوْمٍ، وَأَبَى آخَرُونَ أَنْ يَبِيعُوا، فَهُدِمَ عَلَيْهِمْ فَصَيَّحُوا بِهِ فَدَعَاهُمْ، فَقَالَ: «إِنَّمَا جَرَّأَكُمْ عَلَيَّ حِلْمِي عَنْكُمْ، فَقَدْ فَعَلَ بِكُمْ عُمَرُ هَذَا فَلَمْ
(1) -نيل الأوطار (5/ 318)