فهرس الكتاب

الصفحة 1675 من 1902

والآية تحذر من نوعين من الأساليب التي يستخدمها الأعداء للصد عن إقامة حكم الله في الأرض، وأولها التهديد والتخويف، ولهذا نهى الله تعالى عن خشيتهم، فقال تعالى: {فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} ،والثاني: الترغيب بشيء من الدنيا حتى يتراجع ولاة الأمر عن إقامة حكم الله في الأرض، وقد يسمون هذا الشيء من متاع الدنيا بالمساعدات الاقتصادية أو أن يهددوا بالحصار الاقتصادي أو غيره، وقد حذر الله تعالى من هذا فقال تعالى: {وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} ،وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [الأنفال:36]

فِي هَذِهِ الآيَةِ يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ إِنْفَاقَكُمْ المَالَ فِي سَبِيلِ قِتَالِ المُسْلِمِينَ، وَالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، وَمَنْعِ النَّاسِ مِنَ الدُّخُولِ فِي الإِسْلاَمِ لَنْ يَكُونَ عَلَيْكُمْ إلاّ حَسْرَةً، وَلَنْ يُجْدِيَكُمْ نَفْعاً، فَإِنَّكُمْ سَتُغْلَبُونَ مَرَّةً أُخْرَى، وَسَيَحْشُرُكُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ إلَى جَهنَّمَ، إِذَا مَا أَصْرَرْتُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ، وَعَلَى مُعَانَدَةِ الرَّسُولِ وَالمُؤْمِنِينَ. [1]

ومن ضلالات هؤلاء المشركين أنهم ينفقون أموالهم فيما يكيدون به لأنفسهم، ويصرفونها به عن الخير، ويوردونها به موارد الهلكة والبوار. ومن عادة العقلاء ألا ينفقوا أموالهم ألا فيما يعود عليهم منه خير، يجدونه في أنفسهم، أو في أهليهم، أو في المجتمع الإنسانىّ، خاصة أو عامة. أما أن يشترى الإنسان بماله ما يفسد حياته، ويغتال إنسانيته، ويدمّر وجوده، فذلك هو الذي لا يرى إلا في عالم المجانين والحمقى. وهؤلاء المشركون قد بذلوا أموالهم في سخاء، وقدموها في رضى وغبطة، ليطفئوا بها نور الله الذي أرسله إليهم، وليخفتوا بها صوت الحق الذي بعثه الله ليؤذّن فيهم بآياته، فاشتروا بهذا المال الرجال والعتاد، وجعلوا من هذا جيشا جرارا ساروا به إلى النبىّ الكريم يوم بدر، يريدون القضاء عليه، وعلى الجماعة التي استجابت له، وآمنت بالله وبرسوله ..

«إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» .. هكذا فعل المشركون، وهكذا وجهوا المال الذي جعله الله في أيديهم .. «فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً» .. وفى التعبير بفعل المستقبل عما فعلوه في الماضي، تهديد ووعيد لهم، بأن الأموال التي سينفقونها فيما بعد على هذا الوجه الذي أنفقوه فيها في موقعة بدر- ستكون عليهم حسرة، وستجرّ عليهم الخزي

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1197،بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت