فهرس الكتاب
ويفيد هذا النص أن الذين أظهروا إيمانهم وانضمامهم لموسى من بني إسرائيل كانوا هم الفتيان الصغار، لا مجموعة الشعب الإسرائيلي. وأن هؤلاء الفتيان كان يخشى من فتنتهم وردهم عن اتباع موسى، خوفا من فرعون وتأثير كبار قومهم ذوي المصالح عند أصحاب السلطان، والأذلاء الذين يلوذون بكل صاحب سلطة وبخاصة من إسرائيل. وقد كان فرعون ذا سلطة ضخمة وجبروت، كما كان مسرفا في الطغيان، لا يقف عند حد، ولا يتحرج من إجراء قاس. [1]
قال العلامة السعدي رحمه الله:"والحكمة -والله أعلم- بكونه ما آمن لموسى إلا ذرية من قومه، أن الذرية والشباب، أقبل للحق، وأسرع له انقيادًا، بخلاف الشيوخ ونحوهم، ممن تربى على الكفر فإنهم -بسبب ما مكث في قلوبهم من العقائد الفاسدة- أبعد من الحق من غيرهم." [2]
ومما يبين أهمية مرحلة الشباب وفضل الاستقامة فيها فعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"مَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ"رواه البيهقي [3] .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ:"سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ فِي خَلاَءٍ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسْجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ إِلَى نَفْسِهَا، قَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ" [4] .
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ:"اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاءَكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ"رواه الحاكم [5] .
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:2457)
(2) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص:371)
(3) - شعب الإيمان (3/ 280) (1648) صحيح لغيره
(4) - صحيح البخاري (8/ 163) (6806)
(5) - المستدرك على الصحيحين للحاكم (4/ 341) (7846) صحيح
("اغْتَنِمْ") :مِنَ الِاغْتِنَامِ، هُوَ أَخْذُ الْغَنِيمَةِ ("خَمْسًا") أَيْ: مِنَ الْأَحْوَالِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْحَالِ ("قَبْلَ خَمْسٍ") أَيْ: مِنَ الْعَوَارِضِ الْمُتَوَقَّعَةِ فِي الِاسْتِقْبَالِ ("شَبَابَكَ") أَيْ: زَمَانَ قُوَّتِكَ عَلَى الْعِبَادَةِ (قَبْلَ هَرَمِكَ) :بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: قَبْلَ كِبَرِكَ وَضَعْفِكَ عَنِ الطَّاعَةِ (وَصِحَّتَكَ) أَيْ: وَلَوْ فِي هَرَمِكَ (قَبْلَ سَقَمِكَ) بِفَتْحَتَيْنِ وَبِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيْ: مَرَضِكَ وَ ("غِنَاكَ") أَيْ: قُدْرَتَكَ عَلَى الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ وَالْخَيْرَاتِ وَالْمَبَرَّاتِ الْأُخْرَوِيَّةِ فِي مُطْلَقِ الْأَحْوَالِ، وَمِنْ أَعَمِّ الْأَمْوَالِ ("قَبْلَ فَقْرِكَ") أَيْ: فَقَدِكَ إِيَّاهُ بِالْحَيَاةِ أَوِ الْمَمَاتِ، فَإِنَّ الْمَالَ فِي ضِدِّهِ الزَّوَالُ ("وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ") :سَبَقَ بَيَانُ مَبْنَاهُ وَمَعْنَاهُ ("وَحَيَاتَكَ") :وَلَوْ فِي الْكِبَرِ الْمَقْرُونِ بِالْمَرَضِ وَالْفَقْرِ الْمُمْكِنِ فِيهِ الْإِتْيَانُ بِذِكْرِ اللَّهِ ("قَبْلَ مَوْتِكَ") أَيْ: وَقْتِ إِتْيَانِ أَجَلِكَ وَانْقِطَاعِ عَمَلِكَ"مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3239) "