فهرس الكتاب

الصفحة 1698 من 1902

قال الإمام ابن كثير رحمه الله:"ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ فِتْيَةٌ -وَهُمُ الشَّبَابُ-وَهُمْ أَقْبَلُ لِلْحَقِّ، وَأَهْدَى لِلسَّبِيلِ مِنَ الشُّيُوخِ، الَّذِينَ قَدْ عَتَوْا وعَسَوا فِي دِينِ الْبَاطِلِ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَكْثَرُ الْمُسْتَجِيبِينَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - شَبَابًا. وَأَمَّا الْمَشَايِخُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَعَامَّتُهُمْ بَقُوا عَلَى دِينِهِمْ، وَلَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ. وَهَكَذَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِتْيَةً شَبَابًا."

قَالَ مُجَاهِدٌ: بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ فِي آذَانِ بَعْضْهِمُ الْقِرَطَةُ يَعْنِي: الحَلَق فَأَلْهَمَهُمُ اللَّهُ رُشْدَهُمْ وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ. فَآمَنُوا بِرَبِّهِمْ، أَيْ: اعْتَرَفُوا لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَشَهِدُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ. {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} :اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَأَمْثَالِهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ كَالْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَتَفَاضُلِهِ، وَأَنَّهُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} كَمَا قَالَ {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [مُحَمَّدٍ:17] ،وَقَالَ: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [التَّوْبَةِ:124] ،وَقَالَ {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الْفَتْحِ:4] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ." [1] "

وقال تعالى: {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} [يونس:83]

وَأَظْهَرَ اللهُ الحَقَّ عَلَى البِاطِلِ، فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَالْتَقَفَتْ جَمِيعَ مَا أَلْقَاهُ السَّحَرَةُ، وَمَوَّهُوا بِهِ عَلَى النَّاسِ. وَكَانَ ذَلِكَ نَصْراً عَظِيماً لِمُوسَى مِنْ رَّبِهِ، وَلَكِنَّ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ اسْتَمَرُّوا فِي كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ. وَلَمَّا أُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ للهِ اسْتِغْفَاراً وَتَوْبَةً، وَرَجَاءً أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ، قَالَ لَهُمْ فِرْعَوْنُ: إِنَّهُ سَيُعَاقِبُهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِتَقْطِيعِ أَيْدِيْهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ مِنْ خِلاَفٍ، وَسَيَصْلِبَهُمْ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ، لأَنَّهُمْ آمَنُوا لِمُوسَى قَبْلَ أَنْ يَأَذْنَ هُوَ لَهُمْ بِذَلِكَ - كَمَا جَاءَ فِي آيَاتٍ أُخَرَ -.وَيُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ لِمُوسَى إِلاَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّبَابِ مِنْ قَوْمِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَدْ آمَنُوا بِهِ وَهُمْ خَائِفُونَ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ أَنْ يَضْطَرُّوهُمْ بِالعَذَابِ وَالنَّكَالِ إِلَى الرُّجُوعِ عَنِ الإِيمَانِ بِرَبِّهِمْ (يَفْتِنَهُمْ) ،وَذَلِكَ لأَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ مُسْتَكْبِراً مُتَعَالِياً فِي الأَرْضِ، مُسْرِفاً فِي كُفْرِهِ، وَفِي أَمْرِهِ كُلِّهِ، وَمُبَالِغاً فِيهِ، فَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ يَخَافَ مِنْهُ. [2]

(1) - تفسير ابن كثير ت سلامة (5/ 140)

(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1448،بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت