فهرس الكتاب

الصفحة 1697 من 1902

الغاية التي يقصدها، فإن كانت حركته على طريق الخير، وجد من الله سبحانه العون والسداد، وإن كان على طريق الضلال والفساد، تركه الله لهواه، وأسلمه لشيطانه .. !

-وفى قوله تعالى: «وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً» - في هذا توكيد للعون الذي أمدّهم الله به، منذ أن اتجهت قلوبهم إليه، وانعقدت نيّاتهم على الإيمان به.

-وفى قوله تعالى: «إِذْ قامُوا» إشارة إلى أن ما تتجه إليه القلوب، وتنعقد عليه النيّات- وإن كان مقدّمة طيبة من مقدمات الفوز والنجاح- سيظلّ جسدا هامدا، حتى تنفخ فيه الإرادة، وينضحه العمل، فإذا هو كائن سوىّ الخلق، دانى القطوف.

وهؤلاء الفتية، لم يقفوا عند حدّ النيّة، بل «قاموا» أي تحركوا، وعملوا، فربط الله على قلوبهم تلك التي اتجهت إليه، وشدّ على هذه النيّات التي انعقدت على الإيمان به .. وإذ يتجه الفتية إلى الله هذا الاتجاه القوىّ الخالص من شوائب الشرك، وإذ تفيض قلوبهم إيمانا يباعد بينهم وبين قومهم، فلا يشاركونهم فيما هم فيه من ضلال الوثنية وسخافاتها- عندئذ يجدون أنهم غرباء في قومهم، معرضون للسخط، والإزدراء، ثم القطيعة، ثم الطرد، وربما القتل! إنهم قلة صالحة في مجتمع فاسد .. فليطلبوا لهم وجها في الأرض .. والا ساءت العاقبة، ووقع البلاء، وتعرضوا للفتنة في دينهم، الذي ارتضوه وآمنوا به. [1]

ولقد تبين الطريقان، واختلف المنهجان، فلا سبيل إلى الالتقاء، ولا للمشاركة في الحياة. ولا بد من الفرار بالعقيدة. إنهم ليسوا رسلا إلى قومهم فيواجهوهم بالعقيدة الصحيحة ويدعوهم إليها، ويتلقوا ما يتلقاه الرسل. إنما هم فتية تبين لهم الهدى في وسط ظالم كافر، ولا حياة لهم في هذا الوسط إن هم أعلنوا عقيدتهم وجاهروا بها، وهم لا يطيقون كذلك أن يداروا القوم ويداروهم، ويعبدوا ما يعبدون من الآلهة على سبيل التقية ويخفوا عبادتهم لله. والأرجح أن أمرهم قد كشف. فلا سبيل لهم إلا أن يفروا بدينهم إلى الله، وأن يختاروا الكهف على زينة الحياة. [2]

(1) - التفسير القرآني للقرآن (8/ 597)

(2) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:2952)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت