فهرس الكتاب
وعَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،أَنَّهُ قَالَ: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى» رواه مسلم [1]
(1) - صحيح مسلم (1/ 498) 84 - (720)
[ش (على كل سلامى) قال النووي أصله عظام الأصابع وسائر الكف ثم استعمل في جميع عظام البدن ومفاصله (ويجزئ) ضبطناه ويجزئ بفتح أوله وضمه فالضم من الإجزاء والفتح من جزى يجزى أي كفى ومنه قوله تعالى لا تجزى نفس]
"يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ):بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ الْمِيمِ، أَيْ: عِظَامِ الْأَصَابِعِ وَالْمُرَادُ بِهَا الْعِظَامُ كُلُّهَا، فِي النِّهَايَةِ: السُّلَامَى جَمْعُ السُّلَامِيَّةِ وَهِيَ الْأُنْمُلَةُ مِنْ أَنَامِلِ الْأَصَابِعِ، وَقِيلَ: وَاحِدَةٌ وَجَمْعُهُ سَوَاءٌ، وَيُجْمَعُ عَلَى سُلَامَيَاتٍ، وَهِيَ الَّتِي بَيْنَ كُلِّ مَفْصِلَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الْإِنْسَانِ. (صَدَقَةٌ) :وَ"عَلَى"هُنَا لِلتَّأْكِيدِ، نَدَبَ التَّصَدُّقَ بِمَعْنَى الْوُجُوبِ الْمُصْطَلَحِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْمُ يُصْبِحُ إِمَّا صَدَقَةٌ، أَيْ: تُصْبِحُ الصَّدَقَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ سُلَامَى، وَإِمَّا مِنْ أَحَدِكُمْ عَلَى تَجْوِيزِ زِيَادَةِ"مِنْ"وَالظَّرْفُ خَبَرُهُ، وَصَدَقَةٌ: فَاعِلُ الظَّرْفِ، أَيْ: يُصْبِحُ أَحَدُكُمْ وَاجِبًا عَلَى كُلِّ مَفْصِلٍ مِنْهُ صَدَقَةً، وَإِمَّا ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَالْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ بَعْدَهَا مُفَسِّرَةٌ لَهُ، قَالَ الْقَاضِي: يَعْنِي أَنَّ كُلَّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِ ابْنِ آدَمَ يُصْبِحُ سَلِيمًا عَنِ الْآفَاتِ بَاقِيًا عَلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي تَتِمُّ بِهَا مَنَافِعُهُ، فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ شُكْرًا لِمَنْ صَوَّرَهُ وَوَقَاهُ عَمَّا يُغَيِّرُهُ وَيُؤْذِيهِ اهـ."
وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:"فِي الْإِنْسَانِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ مِفْصَلًا"تَارَةً ذَكَرَ الْعِظَامَ؛ لِأَنَّهَا بِهَا قِوَامُ الْبَدَنِ، وَتَارَةً ذَكَرَ الْمَفَاصِلَ؛ لِأَنَّ بِهَا يَتَيَسَّرُ الْقَبْضُ وَالْبَسْطُ وَالتَّرَدُّدُ وَالنُّهُوضُ إِلَى الْحَاجَاتِ، (فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ) :قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ تَفْصِيلِيَّةٌ، تَرَكَ تَعْدِيدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَفَاصِلِ لِلِاسْتِغْنَاءِ بِذِكْرِ تَعْدِيدِ مَا ذَكَرَ مِنَ التَّسْبِيحِ وَغَيْرِهِ اهـ. أَوْ؛ لِأَنَّ تَعْدِيدَ الْمَفَاصِلِ يَجُرُّ إِلَى الْإِطَالَةِ، وَفِي تَرْكِهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [إبراهيم:34] الْمَقْصُودُ مَا بِهِ الْقِيَامٌ بِشُكْرِهَا عَلَى أَنْ جَعْلَ لَهُ مَا يَكُونُ بِهِ مُتَمَكِّنًا عَلَى الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ، وَلَيْسَ الصَّدَقَةُ بِالْمَالِ فَقَطْ، بَلْ كُلُّ خَيْرٍ صَدَقَةٌ. (وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ) :وَكَذَا سَائِرُ الْأَذْكَارِ، وَبَاقِي الْعِبَادَاتِ صَدَقَاتٌ عَلَى نَفْسِ الذَّاكِرِ، وَخَيْرَاتٌ وَمَبَرَّاتٌ عَلَيْهِ. (وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ) ؛لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُمَا رَاجِعَةٌ إِلَيْهِ وَإِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَعَلَّ تَرْكَ ذِكْرِ (كُلُّ) هُنَا اسْتِغْنَاءٌ بِذِكْرِهِ أَوَّلًا.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ لِلْإِشَارَةِ إِلَى نُدْرَةِ وُقُوعِهِمَا بِالنِّسْبَةِ لِمَا قَبْلَهُمَا لَا سِيَّمَا مِنَ الْمُعْتَزِلِ عَنِ النَّاسِ اهـ. وَلِظُهُورِ الْكُلِّيَّةِ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَفِي تَرْكِ ذِكْرِ الصَّدَقَةِ الْحَقِيقِيَّةِ تَسْلِيَةٌ لِلْفُقَرَاءِ وَالْعَاجِزِينَ عَنِ الْخَيْرَاتِ الْمَالِيَّةِ. (وَيُجْزِئُ) :بِالتَّذْكِيرِ أَوِ التَّأْنِيثِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: ضَبَطْنَاهُ بِالضَّمِّ، أَيْ ضَمِّ الْيَاءِ مِنَ الْإِجْزَاءِ، وَبِالْفَتْحِ مِنْ جَزَى يَجْزِي، أَيْ يَكْفِي (مِنْ ذَلِكَ) :هِيَ بِمَعْنَى"عَنْ"،أَيْ: يَكْفِي عَمَّا ذَكَرَ مِمَّا وَجَبَ عَلَى السُّلَامَى مِنَ الصَّدَقَاتِ (رَكْعَتَانِ) ؛لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَمَلٌ بِجَمِيعِ أَعْضَاءِ الْبَدَنِ، فَيَقُومُ كُلُّ عُضْوٍ بِشُكْرِهِ، وَلِاشْتِمَالِ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّدَقَاتِ الْمَذْكُورَةِ وَغَيْرِهَا، فَإِنَّ فِيهَا أَمْرًا لِلنَّفْسِ بِالْخَيْرِ وَنَهْيًا لَهَا عَنْ تَرْكِ الشُّكْرِ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ (يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى) ،أَيْ مِنْ صَلَاةِ الضُّحَى، أَوْ فِي وَقْتِ الضُّحَى، فَيَنْبَغِي الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِمَا، وَلِذَا كَرِهَ جَمَاعَةٌ تَرَكَهَا، وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ خَفِيَّةٌ إِلَى نَهْيِ الْبُتَيْرَاءِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ تَخْصِيصِهِمَا بِالْإِجْزَاءِ أَنَّهُ وَقْتُ غَفْلَةِ أَكْثَرِ النَّاسِ عَنِ الطَّاعَةِ، وَالْقِيَامِ بِحَقِّ الْعُبُودِيَّةِ، وَلِذَا فُسِّرَ الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ فِي الْآيَةِ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ، وَالْوِتْرُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، لِكَوْنِهِمَا وَقْتَ الِاسْتِرَاحَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (3/ 978)