فهرس الكتاب
وَقَالَ هَؤُلاَءِ الكُفَّارُ، إِمْعاناً فِي عِنَادِهِمْ وَتَكْذِيِبِهِمْ: إِنَّ هَذَا الرَّسُولَ يَأْكُلُ الطَّعَامَ مِثْلَمَا نَأْكُلُ، وَيَشْرَبُ كَمَا نَشْرَبُ، وَيَتَجَوَّلُ فِي الأََسْوَاقِ طَلَباً لِلتَّكَسُّبِ والتِجَارَةِ، فَكَيْفَ يُرِيدُنَا أَنْ نَصَدِّقَهُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ؟ وَهَلاَّ أَنْزلَ اللهُ مَلَكاً مِنْ عِنْدِهِ، فَيَكُونَ شَاهِداً لَهُ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا يَدَّعِيهِ؟
وَهَلاَّ أُنْزِلَ عَلَيْهِ عِلْمٌ عَنْ مَكَانِ كَنْزٍ يُنْفِقُ مِنْهُ، أو يَكُونُ لَهُ بُسْتَانٌ (جَنَّةُ) يَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهِ، وَقَالَ الكَافِرُونَ، الظالِمُونَ أنْفُسَهُمْ بِكُفْرِهِمُ: إِنَّ مُحَمَّداً رَجُلٌّ مَسْحُورٌ قَدْ أَثَّرَ فِيهِ السِّحْرُ فَهُوَ يَهْذِي وَيَخْلِطُ.
وَاللهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُحَقِّقَ لِرَسُولِهِ جَمِيعَ مَا سَأَلُوهُ، وَقَالُوا لَهَ عَنْهُ، وَلَكِنْ، لَهُ الحِكْمَةُ فِي تَرْكِ ذَلِكَ، وَلَهُ الحُجَّةُ البالِِغَةُ، لأَنَّهُ إِنْ أجَابَهُمْ إِلَى مَا سَألُوا ثُمَّ استمَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ وَإِنْكَارِهِمْ، دَمَّرَهُمُ اللهُ كَمَا دَمَّرَ الذين مِنْ قَبْلِهِمْ. فَانْظُرْ يَا مُحَمَّدُ كَيفَ عَلَيْكَ، وَكَيْفَ جَاؤُوا بِمَا يَقْذِفُونَكَ بِهِ، وَيَكْذِبُونَ بِهِ عَلَيْكَ، فاخْتَرَعُوا لَكَ صِفَاتٍ وَأَحْوَالاً بَعِيدَةً كُلَّ البُعْدِ عَنْ صِفَاتِكَ التي أنت عليها (وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ ساحِرٌ وَمَجْنُونٌ وَشَاعِرٌ وَمُغفْتَرٍ ... ) وَكُلَّهُا بَاطِلَةٌ، فَضَلُّوا عَنْ طَرِيقِ الحقِّ والهَدَى، وَصَارُوا حَائِرينَ مُتَرَدِّدينَ لاَ يَهْتَدُونَ إِلى سَبِيلِ الرِّشَادِ، وَلاَ يَدرُونَ ما يَقُولُونَ فِيكَ. [1]
وقوله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة:142]
كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ فِي مَكَةَ يَسْتَقْبِلُ فِي صَلاَتِهِ الصَّخْرَةَ التِي فِي بَيْتِ المَقْدِسِ، كَمَا كَانَ يَفْعَلُ أَنْبِيَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَبلَهُ، وَلكِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ استِقْبَالَ الكَعْبَةِ، وَيَتَمَنَّى لَوْ أَنَّ اللهَ حَوَّلَ القِبْلََةَ إِلَيها، وَلِذلِكَ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ استِقْبَالِ الكَعْبَةِ وَبَيتِ المَقْدِسِ، فَيَقِفُ جَنُوبِيَّ الكَعبَةِ مَسْتَقْبلاً الشِّمَالَ، فَتَكُونُ الكَعْبَةِ وَالصَّخْرَةُ في جِهةٍ وَاحِدَةٍ، وَتَابَعَ المُسْلِمُونَ نَبِيَّهمْ فِي ذلِكَ. وَلَمَّا هَاجَرَ الرَّسُولُ إِلى المَدِينَةِ تَعَذَّرَ عَليهِ الجَمْعُ بَينَ القِبلَتَين، فَصَلَّى مُستَقْبِلاً بَيْتَ المَقْدِسِ، وَبَقِيَ عَلَى ذلِكَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْراً. وَنَبَّه اللهُ رَسُولَهُ - وَقبلَ أَنْ يَقَعَ ذلِكَ - إِلى أَنَّ اليَهُودَ سَيَتَّخِذُونَ مِنْ ذلِكَ التَّحَوُّلِ ذَريعةً للدَّسِّ والتَّشْكِيكِ للادِّعَاءِ بِأَنَّ دِينَهُمْ هُوَ الدِّينُ الحَقُّ، لأنَّ مُحَمَّداً وَصَحْبَهُ كَانُوا
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:2744،بترقيم الشاملة آليا)