فهرس الكتاب
ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117) [هود:112 - 117] .
فأمر الله نبيه والمؤمنين معه بالاستقامة ولزوم سبيل الرشاد والإصلاح في الأرض، والثبات والصبر عليه مهما لقوا من الشدة، وحذرهم من الطغيان وتجاوز العدل والقسط، ونهاهم عن الركون للذين ظلموا، إذ هو من أعظم موانع النصر والفلاح في الدنيا والآخرة {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [هود:113] ،وأمرهم في مقابل ذلك بالإصلاح والنهي عن الفساد في الأرض إذ هو سبيل النجاة، وهو خلاف سبيل الذين ظلموا، وخلاف سبيل الذين يركنون إليهم، وخلاف سبيل المترفين منهم، وخلاف سبيل المجرمين!
فمتى ركن المؤمنون أو مالوا للظالمين أو المترفين أو المجرمين فقد أصابهم شؤم الظلم والترف والإجرام، فحرموا النصر والفلاح، إذ للمظلومين من ضحايا الملأ المجرمين دعوات تضج بها السماء، قد وعدها الله بالانتقام والعقوبة ممن ظلمها وأجرم بحقها، فإذا نزلت إلى الأرض سهامها أصابت الظالمين وكل من ركن إليهم {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء:16] ،وأول ما يصيب الصالحين من شؤم الركون إلى الظالمين مخالطتهم لهم، فيهون في نظرهم ما هم فيه أو عليه من الفساد أو الطغيان أو الترف، فيطمس الله على قلوبهم، فتستحسن القبيح، وتستقبح الحسن، وتشمئز ممن يأمرهم بمعروف، أو ينهاهم عن منكر!
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:أَوْحَى اللَّهُ إِلَى مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَنِ اقْلِبْ مَدِينَةَ كَذَا وَكَذَا عَلَى أَهْلِهَا قَالَ: فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنَّ فِيهَا عَبْدَكَ لَمْ يَعْصِكَ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَقَالَ: اقْلِبْهَا عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ، فَإِنَّ وَجْهَهُ لَمْ يَتَمَعَّرْ فِيَّ سَاعَةً قَطُّ" [1] "
ولهذا كان الإصلاح والاستقامة تتنافى مع الظلم والإفساد في الأرض {إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس:81] ، وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ
(1) - معجم ابن الأعرابي (3/ 948) (1963) ضعيف وصح وقفه من قول مالك بن دينار شعب الإيمان (10/ 74) (7188) وهو