فهرس الكتاب
تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ [محمد:12] .
وَفي يَوْمِ القِيَامةِ يُدخِلُ اللهُ تَعَالى الذِينَ آمَنُوا بهِ، وَبِكُتَبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَعَمِلُوا الأعْمَالَ الصَّالِحَاتِ، جَنَّاتٍ تَجرِي في أرْضِها الأنهَارُ جَزاءً لَهُم عَلَى إيمَانِهِمْ. أمَّا الكَافِرُونَ الذِين كَفَرُوا باللهِ وبِكُتُبهِ، وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ، فَإِنَّهُم يَتَمَتَّعُونَ بما في هذهِ الدُّنيا مِنْ مَتَاعٍ زَائِلٍ، وَيَأكُلُونَ فِيها كَالأنعَامِ، غَيرَ مُفَكِّرِينَ في عَواقِب أمُورِهِمْ، وَلا مُعْتَبِرِينَ بِما أقَامَهُ اللهُ لِلْعِبَادِ منَ الأدِلَّةِ على وُجُودِهِ ووَحْدَانِيَّتِهِ تَعَالى، وَسَيَصِيرُونَ في الآخِرَةِ إلى جَهَنَّمَ فَتَكُونُ مَسْكَنَهُمْ وَمَأوَاهُمْ. [1]
وَالَّذِينَ جَحَدُوا تَوْحِيدَ اللَّهِ، وَكَذَّبُوا رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - يَتَمَتَّعُونَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا بِحُطَامِهَا وَرِيَاشِهَا وَزِينَتِهَا الْفَانِيَةِ الدَّارِسَةِ، وَيَأْكُلُونَ فِيهَا غَيْرَ مُفَكِّرِينَ فِي الْمَعَادِ، وَلَا مُعْتَبِرِينَ بِمَا وَضَعَ اللَّهُ لِخَلْقِهِ مِنَ الْحُجَجِ الْمُؤَدِّيَةِ لَهُمْ إِلَى عِلْمِ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَمَعْرِفَةِ صِدْقِ رُسُلِهِ، فَمَثَلُهُمْ فِي أَكْلِهِمْ مَا يَأْكُلُونَ فِيهَا مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ مِنْهُمْ بِذَلِكَ وَغَيْرِ مَعْرِفَةٍ، مَثَلُ الْأَنْعَامِ مِنَ الْبَهَائِمِ الْمُسَخَّرَةِ الَّتِي لَا هِمَّةَ لَهَا إِلَّا فِي الِاعْتِلَافِ دُونَ غَيْرِهِ {وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} [محمد:12] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَالنَّارُ نَارُ جَهَنَّمَ مَسْكَنٌ لَهُمْ، وَمَأْوًى، إِلَيْهَا يَصِيرُونَ مِنْ بَعْدِ مَمَاتِهِمْ" [2] "
والذين آمنوا وعملوا الصالحات يتمتعون في الأرض أحيانا من أطيب المتاع ولكن الموازنة هنا إنما تقوم بين النصيب الحقيقي الضخم للمؤمنين - وهو نصيبهم في الجنة - والنصيب الكلي للكافرين الذي لا نصيب لهم سواه. ونصيب المؤمنين يتلقونه من يد الله في جنات تجري من تحتها الأنهار. فالله هو الذي يدخلهم. وهو إذن نصيب كريم علوي رفيع. وهم ينالونه من بين يدي الله في علاه جزاء على الإيمان والصلاح، متناسقا في رفعته وكرامته مع الارتفاع المنطلق من الإيمان والصلاح.
ونصيب الذين كفروا متاع وأكل «كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ» .. وهو تصوير زري، يذهب بكل سمات الإنسان ومعالمه ويلقي ظلال الأكل الحيواني الشره، والمتاع الحيواني الغليظ. بلا
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:4436،بترقيم الشاملة آليا)
(2) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (21/ 197)