فهرس الكتاب
تذوق، وبلا تعفف عن جميل أو قبيح .. إنه المتاع الذي لا ضابط له من إرادة، ولا من اختيار، ولا حارس عليه من تقوى، ولا رادع عنه من ضمير.
والحيوانية تتحقق في المتاع والأكل، ولو كان هناك ذوق مرهف للطعوم، وحس مدرب في اختيار صنوف المتاع، كما يتفق هذا لكثير من الناشئين في بيوت النعمة والثراء. وليس هذا هو المقصود. إنما المقصود هو حساسية الإنسان الذي يملك نفسه وإرادته، والذي له قيم خاصة للحياة فهو يختار الطيب عند الله. عن إرادة لا يخضعها ضغط الشهوة، ولا يضعفها هتاف اللذة. ولا تحسب الحياة كلها مائدة طعام، وفرصة متاع بلا هدف بعد ذلك ولا تقوى فيما يباح وما لا يباح! إن الفارق الرئيسي بين الإنسان والحيوان: أن للإنسان إرادة وهدفا وتصورا خاصا للحياة يقوم على أصولها الصحيحة، المتلقاة من الله خالق الحياة. فإذا فقد هذا كله فقد أهم خصائص الإنسان المميزة لجنسه، وأهم المزايا التي من أجلها كرمه الله. [1]
والتمتع عام فيشمل جميع أنواع التمتع: كالتمتع بالأموال، واللباس، والمركب، والبيت، والتمتع بارتكاب الفواحش والمعاصي، ومن صور التمتع تمتع حكامهم الطغاة بالعلو في الأرض، واحتلال بلاد الآخرين، ونهب خيراتهم، وغيرها الكثير من صور التمتع التي جاءت قوانينهم وأنظمتهم الوضعية بتحصيلها، وتنميتها، وحمايتها من التهديدات والمنغصات.
ومن الأمثلة على انحطاط قوانينهم الوضعية في أهدافها أن هذه القوانين لا تحمي الضرورات الخمس التي جاء الإسلام بحفظها، وهي: الدين والعرض والنفس والمال والعقل [2] .
فلا يحافظون على الدين والعرض والعقل، لأن المحافظة عليها تعني أن يحال بينهم وبين كفرهم وشهواتهم، وأما ضرورتا النفس والمال فهم لا يحافظون عليها المحافظة العادلة التي جاء بها الإسلام، وإنما يحمون هاتين الضرورتين حماية ضالة ناقصة بما يتوافق مع رفاهيتهم وشهواتهم وتمتعهم في حياتهم الدنيا، ويسنون لذلك القوانين الجائرة.
وأما الإسلام فقد جاء بالمحافظة على هذه الضرورات الخمس التي لا صلاح للعباد ولا سعادة لهم في الدنيا والآخرة إلا بالمحافظة عليها، فشرع الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:4101)
(2) - انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية (28/ 208) الْمُحَافَظَةُ عَلَى الضَّرُورِيَّاتِ: