فهرس الكتاب
يُعْتَمَدُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ الصِّدْقَ، وَعَلَامَةُ الصِّدْقِ أَنَّهُ تَطْمَئِنُّ بِهِ الْقُلُوبُ، وَعَلَّامَةُ الْكَذِبِ أَنَّهُ تَحْصُلَ بِهِ الرِّيبَةُ، فَلَا تَسْكُنُ الْقُلُوبُ إِلَيْهِ، بَلْ تَنْفِرُ مِنْهُ." [1] "
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ:أَيْ: مَا اعْتَرَضَ لَكَ الشَّكُّ فِيهِ مُنْقَلِبًا عَنْهُ إِلَى مَا لَا شَكَّ فِيهِ، يُقَالُ: دَعْ ذَلِكَ إِلَى ذَلِكَ أَيِ: اسْتَبْدِلْهُ بِهِ. اهـ. وَالْمَعْنَى: اتْرُكْ مَا تَشُكُّ فِيهِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ أَنَّهُ نَهْيٌ عَنْهُ أَوَّلًا أَوْ سُنَّةٌ أَوْ بِدْعَةٌ، وَأَعْدِلْ إِلَى مَا لَا تَشُكُّ فِيهِ مِنْهُ، وَالْمَقْصُودُ أَنْ يَبْنِيَ الْمُكَلَّفُ أَمْرَهُ عَلَى الْيَقِينِ الْبَحْتِ وَالتَّحْقِيقِ الصِّرْفِ، وَيَكُونُ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي دِينِهِ (فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ) :بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الذَّالِ، وَفِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ ضَبَطَهُ بِكَسْرِ الْكَافِ وَسُكُونِ الذَّالِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَفْصَحُ الْوَاقِعُ فِي الْقُرْآنِ وَالثَّانِي لُغَةٌ، وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ إِذَا قُوبِلَ بِالصِّدْقِ فَهُوَ أَوْلَى لِحُسْنِ الْمُوَازَنَةِ بَيْنَهُمَا، (رِيبَةٌ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَحَقِيقَتُهَا قَلَقُ النَّفْسِ وَاضْطِرَابُهَا، فَإِنَّ كَوْنَ الْأَمْرِ مَشْكُوكًا فِيهِ مِمَّا يَقْلَقُ لَهُ النَّفْسُ، وَكَوْنُهُ صَحِيحًا صَادِقًا مِمَّا تَطْمَئِنُّ لَهُ، وَمِنْهُ رَيْبُ الْمَنُونِ أَيْ مَا يُقْلِقُ النُّفُوسَ مِنْ حَوَادِثِ الدَّهْرِ، وَقِيلَ الْمَوْتُ هَذَا، وَقَدْ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ:جَاءَ هَذَا الْقَوْلُ مُمَهِّدًا لِمَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الْكَلَامِ، وَمَعْنَاهُ إِذَا وَجَدْتَ نَفْسَكَ تَرْتَابُ فِي الشَّيْءِ فَاتْرُكْهُ، فَإِنَّ نَفْسَ الْمُؤْمِنِ تَطْمَئِنُّ إِلَى الصِّدْقِ وَتَرْتَابُ مِنَ الْكَذِبِ، فَارْتِيَابُكَ فِي الشَّيْءِ مُنْبِئٌ عَنْ كَوْنِهِ بَاطِلًا أَوْ مَظَنَّةً لِلْبَاطِلِ فَاحْذَرْهُ، وَاطْمِئْنَانُكَ إِلَى الشَّيْءِ مُشْعِرٌ بِكَوْنِهِ حَقًّا فَاسْتَمْسِكْ بِهِ، وَالصِّدْقُ وَالْكَذِبُ يُسْتَعْمَلَانِ فِي الْمَقَالِ وَالْفِعَالَ وَمَا يَحِقُّ أَوْ يَبْطُلُ مِنَ الِاعْتِقَادِ، وَهَذَا الْأَمْرُ مَخْصُوصٌ بِذَوِي النُّفُوسِ الشَّرِيفَةِ الْقُدْسِيَّةِ الطَّاهِرَةِ مِنْ أَوْضَارِ الذُّنُوبِ وَأَوْسَاخِ الْآثَامِ. اهـ [2]
وعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ عَائِذَ اللَّهِ، أَخْبَرَهُ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ عُمَيْرَةَ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - أَخْبَرَهُ قَالَ: كَانَ لَا يَجْلِسُ مَجْلِسًا لِلذِّكْرِ حِينَ يَجْلِسُ إِلَّا قَالَ: «اللَّهُ حَكَمٌ قِسْطٌ هَلَكَ الْمُرْتَابُونَ» ،فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يَوْمًا:"إِنَّ مِنْ وَرَاءِكُمْ فِتَنًا يَكْثُرُ فِيهَا الْمَالُ، وَيُفْتَحُ فِيهَا الْقُرْآنُ حَتَّى يَأْخُذَهُ الْمُؤْمِنُ وَالْمُنَافِقُ، وَالرَّجُلُ، وَالْمَرْأَةُ، وَالصَّغِيرُ، وَالْكَبِيرُ، وَالْعَبْدُ، وَالْحُرُّ، فَيُوشِكُ قَائِلٌ أَنْ يَقُولَ: مَا لِلنَّاسِ لَا"
(1) - جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (1/ 280)
(2) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (5/ 1899)