فهرس الكتاب
وعَنْ وَابِصَةَ الأَسَدِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ لاَ أَدَعَ شَيْئًا مِنَ الْبِرِّ وَالإِِثْمِ إِلاَّ سَأَلْتُهُ عَنْهُ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَسْتَفْتُونَهُ، فَجَعَلْتُ أَتَخَطَّاهُمْ، فَقَالُوا: إِلَيْكَ يَا وَابِصَةُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،فُقُلْتُ: دَعُونِي فَأَدْنُوَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ أَنْ أَدْنُوَ مِنْهُ، قَالَ: دَعُوا وَابِصَةَ، ادْنُ يَا وَابِصَةُ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاَثًا، قَالَ: فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: يَا وَابِصَةُ أُخْبِرُكَ أَمْ تَسْأَلُنِي؟ قُلْتُ: لاَ، بَلْ أَخْبِرْنِي، فَقَالَ: جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْبِرِّ وَالإِِثْمِ فَقَالَ: نَعَمْ، فَجَمَعَ أَنَامِلَهُ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِنَّ فِي صَدْرِي، وَيَقُولُ: يَا وَابِصَةُ اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، وَاسْتَفْتِ نَفْسَكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَالإِِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ. رواهُ أحمدُ، والدَّارَمِيُّ [1]
وعَنْ أَبِي الحَوْرَاءِ السَّعْدِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: مَا حَفِظْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ، فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الكَذِبَ رِيبَةٌ» رواهُ الترمذي وغيره [2]
قال ابن رجب رحمه الله"وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ يَرْجِعُ إِلَى الْوُقُوفِ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ وَاتِّقَائِهَا، فَإِنَّ الْحَلَالَ الْمَحْضَ لَا يَحْصُلُ لِمُؤْمِنٍ فِي قَلْبِهِ مِنْهُ رَيْبٌ - وَالرَّيْبُ: بِمَعْنَى الْقَلَقِ وَالِاضْطِرَابِ - بَلْ تَسْكُنُ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَيَطْمَئِنُّ بِهِ الْقَلْبُ، وَأَمَّا الْمُشْتَبِهَاتُ فَيَحْصُلُ بِهَا لِلْقُلُوبِ الْقَلَقُ وَالِاضْطِرَابُ الْمُوجِبُ لِلشَّكِّ ...."
وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْخُرُوجَ مِنِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ أَفْضَلُ، لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنِ الشُّبْهَةِ، وَلَكِنَّ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ هُوَ عَلَى إِطْلَاقِهِ ....
وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى:" «إِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ» "يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي الِاعْتِمَادُ عَلَى قَوْلِ كُلِّ قَائِلٍ كَمَا قَالَ فِي حَدِيثِ وَابِصَةَ:" «وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ» "وَإِنَّمَا
(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) (6/ 173) (18006) 18169 - ومسند أبي يعلى الموصلي (3/ 160) (1586) والمعجم الكبير للطبراني (22/ 148) (403) وسنن الدارمي (3/ 1649) (2575) حسن
(2) - السنن الكبرى للنسائي (5/ 117) (5201) وسنن الترمذي ت شاكر (4/ 668) (2518) صحيح