فهرس الكتاب
رَحْمَةُ الرَّحِيمِ إِلَى الْمَعْنَى الْأَعَمِّ مِنَ الْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ الشَّامِلِ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَالدَّوَابِّ، فَيَكُونُ الثَّانِي أَخَصَّ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّأْسِيسَ أَوْلَى مِنَ التَّأْكِيدِ.
(وَعَفِيفٌ) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ الثَّالِثُ مِنَ الثَّلَاثَةِ أَيْ: مُجْتَنِبٌ عَمَّا لَا يَحِلُّ (مُتَعَفِّفٌ) أَيْ: عَنِ السُّؤَالِ مُتَوَكِّلٌ عَلَى الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ فِي أَمْرِهِ وَأَمْرِ عِيَالِهِ مَعَ فَرْضِ وَجُودِهِمْ، فَإِنَّهُ أَصْعَبُ، وَلِهَذَا قَالَ: (ذُو عِيَالٍ) أَيْ: لَا يَحْمِلُهُ حُبُّ الْعِيَالِ وَلَا خَوْفُ رِزْقِهِمْ عَلَى تَرْكِ التَّوَكُّلِ بِارْتِكَابِ سُؤَالِ الْخَلْقِ، وَتَحْصِيلِ الْمَالِ الْحَرَامِ وَالِاشْتِغَالِ بِهِمْ عَنْ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَشَارَ بِالْعَفِيفِ إِلَى مَا فِي نَفْسِهِ مِنَ الْقُوَّةِ الْمَانِعَةِ عَنِ الْفَوَاحِشِ، وَبِالْمُتَعَفِّفِ إِلَى إِبْرَازِ ذَلِكَ بِالْفِعْلِ وَاسْتِعْمَالِ تِلْكَ الْقُوَّةِ لِإِظْهَارِ الْعِفَّةِ عَنْ نَفْسِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِذِ اسْتَقْرَيْتَ أَحْوَالَ الْعِبَادِ عَلَى اخْتِلَافِهَا لَمْ تَجِدْ أَحَدًا يَسْتَأْهِلُ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَيَحِقَّ لَهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا إِلَّا وَهُوَ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ هَذِهِ الْأَقْسَامِ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْهَا (وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ) إِشَارَةٌ إِلَى كَثْرَتِهِمْ (الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زَبْرَ لَهُ) بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: لَا رَأْيَ وَلَا عَقْلَ كَامِلًا يَعْقِلُهُ، وَيَمْنَعُهُ عَنِ ارْتِكَابِ مَا لَا يَنْبَغِي، وَقَدْ وَرَدَ: «الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ، وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ» ،وَفِي الْقَامُوسِ: الزَّبْرُ الْعَقْلُ وَالْكَمَالُ وَالصَّبْرُ وَالِانْتِهَارُ وَالْمَنْعُ وَالنَّهْيُ. اهـ. وَلِكُلٍّ وَجْهٌ فِي الْمَعْنَى.
وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ أَيْ: لَا عَقْلَ لَهُ، وَفِي الْغَرِيبَيْنِ يُقَالُ: مَا لَهُ زَبْرٌ أَيْ عَقْلٌ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْمَعْنَى لَا يَسْتَقِيمُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَأَرَى الْوَجْهَ فِيهِ أَنْ يُفَسَّرَ بِالتَّمَاسُكِ، فَإِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ يَقُولُونَ لَا زَبْرَ لَهُ أَيْ: لَا تَمَاسُكَ لَهُ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ، وَالْمَعْنَى: لَا تَمَاسُكَ لَهُ عِنْدَ مَجِيءِ الشَّهَوَاتِ، فَلَا يَرْتَدِعُ عَنْ فَاحِشَةٍ وَلَا يَتَوَرَّعُ عَنْ حَرَامٍ. قُلْتُ: التَّمَاسُكُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ كَمَالِ الْعَقْلِ وَحَاصِلٌ بِالصَّبْرِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَحَدِهِمَا.
وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ فِي قَوْلِهِ: لَعَلَّ الشَّيْخَ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ: (الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعٌ) قِسْمٌ آخَرُ مِنَ الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ، وَلِذَلِكَ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ يَعْنِي بِهِ الْخُدَّامَ الَّذِينَ يَكْتَفُونَ بِالشُّبُهَاتِ، وَعَلَيْهِ كَلَامُ الْقَاضِي ; حَيْثُ قَالَ: الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعٌ يُرِيدُ بِهِ الْخُدَّامَ الَّذِينَ لَا مَطْمَحَ لَهُمْ وَلَا مَطْمَعَ إِلَّا مَا يَمْلَأُونَ بِهِ بُطُونَهُمْ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ كَانَ، وَلَا تَتَخَطَّى هِمَمُهُمْ إِلَى مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرٍ دِينِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ. أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّعِيفَ وَصْفٌ بِاعْتِبَارِ لَفْظِهِ تَارَةً بِالْمُفْرَدِ، وَبِاعْتِبَارِ الْجِنْسِ أُخْرَى