فهرس الكتاب
وقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وَاللَّهِ لَبَلَغَ مِنْ أَحَدِهِمْ بِدُنْيَاهُ أَنَّهُ يَقْلِبُ الدِّرْهَمَ عَلَى ظُفْرِهِ، فَيُخْبِرُكَ بِوَزْنِهِ، وَمَا يُحْسِنُ أَنْ يُصَلِّيَ. [1]
وقال ابن كثير رحمه الله"أَيْ: أَكْثَرُ النَّاسِ لَيْسَ لهم علم إلا بالدنيا وأكسابها وشؤونها وَمَا فِيهَا، فَهُمْ حُذَّاقٌ أَذْكِيَاءُ فِي تَحْصِيلِهَا وَوُجُوهِ مَكَاسِبِهَا، وَهُمْ غَافِلُونَ عَمَّا يَنْفَعُهُمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، كَأَنَّ أَحَدَهُمْ مُغَفّل لَا ذِهْنَ لَهُ وَلَا فِكْرَةَ. [2] ."
وقال تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (30) } [النجم]
فَأَعْرِضْ عَنْ مِثْلِ هؤُلاءِ الذِينَ أَعْرَضُوا عَنِ القُرآنِ وَمَا فِيهِ مِنَ الحَقِّ والهُدَى، وَجَعَلُوا هَمَّهُمُ الدُّنيا وَمَا فِيها مِنْ مُتَعٍ وَمَلَذَّاتٍ، وَاهْجُرْهُمْ وَلاَ تَهْتَمَّ بِمَصِيرِهِمْ.
وَذِلكَ الذِي يَتْبَعُونَه في عَقَائِدِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ هُوَ مُنْتَهَى مَا وَصَلُوا إِليهِ مِنَ العِلْمِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُفَكِّرُونَ في شَأْنٍ مِنْ شُؤُونِ الآخِرَةِ، وَإِنَّما جَعَلُوا الدُّنيا أَكْبَرَ هَمِّهِمْ، وَاللهُ تَعَالى هُوَ الخَالِقُ لِلْخَلْقِ، وَهُوَ العَليمُ بِأَحْوالِهِم وَأَفْعَالِهم وَمَصَالِحهم، وَهُوَ الذِي يَهدي مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ العليمُ بِمَنْ جَعَلَ العَمَلَ لِلآخِرَةِ هَمَّهُ، وَسَعى لَها سَعْيَها، وَمَنْ جَعَلَ الدُّنيا هَمَّهُ، وَسَعَى في طَلَبِها مِنْ كُلِّ بَابٍ، وَسَيَجْزِي كُلَّ وَاحِدٍ بِمَا يَسْتَحِقُّ مِنَ الجَزاءِ. [3]
ولما كان هذا دأب هؤلاء المذكورين أنهم لا غرض لهم في اتباع الحق، وإنما غرضهم ومقصودهم، ما تهواه نفوسهم، أمر الله رسوله بالإعراض عمن تولى عن ذكره، الذي هو الذكر الحكيم، والقرآن العظيم، والنبأ الكريم، فأعرض عن العلوم النافعة، ولم يرد إلا الحياة الدنيا، فهذا منتهى إرادته، ومن المعلوم أن العبد لا يعمل إلا للشيء الذي يريده،
فسعيهم مقصور على الدنيا ولذاتها وشهواتها، كيف حصلت حصلوها، وبأي: طريق سنحت ابتدروها، {ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} أي: هذا منتهى علمهم وغايته، وأما المؤمنون بالآخرة، المصدقون بها، أولو الألباب والعقول، فهمتهم وإرادتهم للدار الآخرة، وعلومهم أفضل
(1) - الدر المنثور في التفسير بالمأثور (6/ 484) وتفسير ابن كثير ت سلامة (6/ 305)
(2) - تفسير ابن كثير ت سلامة (6/ 305)
(3) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:4692،بترقيم الشاملة آليا)