فهرس الكتاب

الصفحة 301 من 1902

العلوم وأجلها، وهو العلم المأخوذ من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -،والله تعالى أعلم بمن يستحق الهداية فيهديه، ممن لا يستحق لك فيكله إلى نفسه، ويخذله، فيضل عن سبيل الله، ولهذا قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى} فيضع فضله حيث يعلم المحل اللائق به. [1]

أي فأعرض عن مثل هؤلاء الذين أعرضوا عن كتابنا ولم يأخذوا بما فيه مما يوصل إلى سعادتهم في المعاش والمعاد من المعتقدات الحقة وقصص الأولين المذكّرة بأمور الآخرة وما فيها من نعيم مقيم أو عذاب أليم، واقتصروا على شئون الدنيا ورضوا بزخرفها وجدّوا في بلوغ أسمى المراتب فيها كما فعل النضر بن الحارث والوليد بن المغيرة وأضرابهما.

والخلاصة- لا تبالغ في الحرص على هدى من تولى عن ذكرنا وانهمك في أمور الدنيا، وجعلها منتهى همته، وأقصى أمنيته، وقصارى سعيه، فلا سبيل إلى إيمان مثله، فلا تبخع نفسك على مثله أسفا وحزنا كما قال: «لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» .

ثم أكد ما مضى من أن همتهم مقصورة على الحياة الدنيا بقوله: (ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) أي إن منتهى علمهم أن يتفهموا شئون الحياة الدنيا، ويتمتعوا باللذات، ويتصرفوا في التجارات، ليحصلوا على ما يكون لهم فيها من بسطة في المال، وسعة في الرزق، ويكونوا ممن يشار إليهم بالبنان، وما به يذكرون لدى الناس، ولا يعنون بما وراء ذلك، فشئون الآخرة دبر أذنهم، ووراء ظهورهم، لا يعرفون منها قبيلا من دبير ....

ثم ذكر السبب في الأمر بالإعراض عنهم فقال: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى) أي إن ربك هو العليم بمن واصل ليله بنهاره، وصباحه بمسائه، مفكرا في آياته في الكون، وفيما جاء على ألسنة رسله، حتى اهتدى إلى الحق الذي ينجيه في آخرته، ويبلغه رضوان ربه، ويبلغه سعادة الدنيا بالسير على السنن التي وضعها في خليقته، فاحتذى حذوها، وسار على إثرها- وبمن حاد عن طريق النجاة وجعل إلهه هواه وركب رأسه، فلم يلو على شاء مما جاء به الداعي الناصح الأمين، وإنه لمجاز كلّا بما كسب واكتسب، وسيجزيه على الجليل والحقير، والصغير والكبير، بحسب ما أحاط به واسع علمه، وبمقدار فضله على من أخبت

(1) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص:820)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت