فهرس الكتاب

الصفحة 305 من 1902

وَقَوْلُهُ: {وَلَمْ يُرِدْ إِلا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} أَيْ: وَإِنَّمَا أَكْثَرُ هَمِّهِ وَمَبْلَغُ عِلْمِهِ الدُّنْيَا، فَذَاكَ هُوَ غَايَةُ مَا لَا خَيْرَ فِيهِ. وَلِذَلِكَ قَالَ: {ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} أَيْ: طَلَبُ الدُّنْيَا وَالسَّعْيُ لَهَا هُوَ غَايَةُ مَا وَصَلُوا إِلَيْهِ.

وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا] قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ، وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ" [1]

وَفِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا جَلَسَ مَجْلِسًا لَمْ يَقُمْ حَتَّى يَدْعُو لِجُلَسَائِهِ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ، وَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَدْعُو بِهِنَّ لِجُلَسَائِهِ: «اللهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تُحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمَنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمَنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا، اللهُمَّ أَمْتِعْنَا بِأَسْمَاعِنَا، وَأَبْصَارِنَا، وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمْنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْثَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا» [2]

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ كُلَّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ سَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ، جِيفَةٍ بِاللَّيْلِ، حِمَارٍ بِالنَّهَارِ، عَالِمٍ بِأَمْرِ الدُّنْيَا، جَاهِلٍ بِأَمْرِ الْآخِرَةِ» .رواه البيهقي [3]

فالأساس الذي تقوم عليه حياة الكفار، وما تهدف إليه سياساتهم وقوانينهم، هو توفير الأكل، وحصول التمتع بأنواعه: كالتمتع بالمال واللباس والمركب والمسكن والتمتع بارتكاب

(1) - مسند أحمد ط الرسالة (40/ 480) (24419) وشعب الإيمان (13/ 185) (10154) والزهد لابن أبي الدنيا (ص:117) (240) وبنحوه عن ابن مسعود شعب الإيمان (13/ 184) (10153) ومصنف ابن أبي شيبة -دار القبلة (19/ 501) (36857) صحيح لغيره

(2) - السنن الكبرى للنسائي (9/ 154) (10161) والدعاء للطبراني (ص:535) (1911) والزهد والرقائق لابن المبارك والزهد لنعيم بن حماد (1/ 144) (431) وسنن الترمذي ت شاكر (5/ 528) (3502) صحيح وانظر تفسير ابن كثير ت سلامة (7/ 459)

قَوْلُهُ: «وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا» أَيْ أَبْقِهِ مَعِي حَتَّى أَمُوتَ، قِيلَ: أَرَادَ بِالسَّمْعِ وَعْيَ مَا يُسْمَعُ وَالْعَمَلَ بِهِ، وَبِالْبَصْرِ الاعْتِبَارَ بِمَا يَرَى، وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بَقَاءَ السَّمْعِ وَالْبَصْرِ بَعْدَ الْكِبَرِ وَانْحِلالِ الْقُوَى، فَيَكُونُ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَارِثَيْ سَائِرِ الْقُوَى، وَالْبَاقِيَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَدَّ الْهَاءَ إِلَى الإِمْتَاعِ، فَلِذَلِكَ وَحَّدَهُ، فَقَالَ: «وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا» شرح السنة للبغوي (5/ 175)

(3) - صحيح ابن حبان - مخرجا (1/ 274) (72) والسنن الكبرى للبيهقي (10/ 327) (20804)

صحيح

الجعظرى: الغليظ المتكبر، الجواظ: الجموع المنوع للخير، جيفة بالليل: كثير النوم =حمار بالنهار: في الدأب وراء الدنيا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت