الخارجية للحضارة - ليست مفروضة على العقيدة الإسلامية التي تنبثق منها تلك الحضارة إنما هي من طبيعتها. ولكن المرونة ليست هي التميع .. والفرق بينهما بعيد جداً!
لقد كان الإسلام ينشئ الحضارة في أواسط أفريقية بين العراة .. لأنه بمجرد وجوده هناك تكتسي الأجسام العارية ويدخل الناس في حضارة اللباس التي يتضمنها التوجيه الإسلامي المباشر، ويبدأ الناس في الخروج كذلك من الخمول البليد إلى نشاط العمل الموجه لاستغلال كنوز الكون المادي، ويخرجون كذلك من طور القبيلة - أو العشيرة - إلى طور الأمة، وينتقلون من عبادة الطوطم المنعزلة إلى عبادة رب العالمين .. فما هي الحضارة إن لم تكن هي هذا؟ .. إنها حضارة هذه البيئة، التي تعتمد على إمكانياتها القائمة فعلاً .. فأما حين يدخل الإسلام في بيئة أخرى فإنه ينشئ - بقيمه الثابتة - شكلاً آخر من أشكال الحضارة يستخدم فيه موجودات هذه البيئة وإمكانياتها الفعلية وينميها.
وهكذا لا يتوقف قيام الحضارة - بطريقة الإسلام ومنهجه - على درجة معينة من التقدم الصناعي والاقتصادي والعلمي. وإنْ كانت الحضارة حين تقوم تستخدم هذا التقدم - عند وجوده - وتدفعه إلى الأمام دفعاً، وترفع أهدافه. كما إنها تنشئه إنشاءً حين لا يكون، وتكفل نموه واطراده .. ولكنها تظل في كل حال قائمة على أصولها المستقلة. ويبقى للمجتمع الإسلامي طابعه الخاص، وتركيبه العضوي، الناشئان عن نقطة انطلاقه الأولى، التي يتميز بها من كل مجتمعات الجاهلية ..
{صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً} ... [البقرة:138] .." [1] "
ولا بد للمسلم أن يعلم أن إقامة الدولة الإسلامية وبناء الحضارة الحقة لا يتحقق إلا بالقوة التي تحمي الحق وتدافع عنه، وهي سنة لا تتبدل ولا تتغير، كما قال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة:251]
وَلُوْلا أنَّ اللهَ يَدْفَعُ بَأسَ أهْلِ البَغْيِ وَالجَوْرِ وَالآثَامِ، بِأهْلِ الصَّلاَحِ وَالخَيْرِ، لِغَلَبَ أَهْلَ الفَسَادِ، وَبَغَوْا عَلَى الصَّالِحينَ، وَصَارَ لَهُمْ سُلْطَانٌ فَفَسَدَتِ الأرْضُ، فَكَانَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ أنْ أذِنَ
(1) - معالم في الطريق بتحقيقي (ص:104) فما بعد