فهرس الكتاب
يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وَيَقُولُ إنَّ الذِينَ يَرْتَدَّونَ عَنْ دِينِهِمْ مِنَ الإيِمَانِ إلى الكُفْرِ، وَيَتَوَلَّوْنَ عَنْ نُصْرَةِ دِينِهِ، وَإِقَامَةِ شَرِيعَتِهِ، فَإنَّ اللهَ سَيَسْتَبْدِلُ بِهِمْ مَنْ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ، وَأَشَدُّ مَنَعَةً، وَأَقْوَمُ سَبِيلاً، يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، يَتَّصِفُونَ بِصِفَاتِ المُؤْمِنِينَ وَهِيَ: العِزَّةُ عَلَى الكَافِرِينَ، وَالرَّحْمَةُ وَالتَّوَاضُعُ مَعَ المُؤْمِنِينَ، يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلاَ يَرُدُّهُمْ رَادٌّ عَنْ إذاعَةِ أَمْرِ اللهِ، وَإِقَامَةِ حُدُودِهِ، وَقِتَالِ أَعْدَائِهِ، يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ، وَيَنْهَونَ عَنِ المُنْكَرِ. وَمَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَاِت كَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْهِ كَبِيراً، وَاللهُ وَاسِعُ الفَضْلِ، عَلِيمٌ بِمَنْ يِسْتَحِقُّ ذَلِكَ فَيُعْطِيهِ، مِمَّنْ لاَ يَسْتَحِقُّهُ فَيَحْرِمُهُ إيَّاهُ. [1]
فوصف الله تعالى الذين يحبهم ويحبونه بالذلة على المؤمنين، والعزة على الكافرين، والجهاد في سبيل الله، وعدم الخوف من لوم اللائمين، فلا يصدهم عن إقامة شرع الله والجهاد في سبيل الله لوم أهل الكفر والنفاق، وما يفترونه في وسائل إعلامهم، فإن القلب لا يلتفت إلى أقوالهم ويحرص على مراعاتها، إلا إذا كان فيه من التعبد لأعداء الله بحسب ما فيه من مراعاتهم وطلب مرضاتهم، قال الإمام ابن كثير رحمه الله:"وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} هَذِهِ صِفَاتُ الْمُؤْمِنِينَ الكُمَّل أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ مُتَوَاضِعًا لِأَخِيهِ وَوَلِيِّهِ، مُتَعَزِّزًا عَلَى خَصْمِهِ وَعَدُوِّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الْفَتْحِ:29] .وَفِي صِفَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ:"الضَّحُوكُ الْقَتَّالُ"فَهُوَ ضَحُوكٌ لِأَوْلِيَائِهِ قَتَّالٌ لِأَعْدَائِهِ."
وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} أَيْ: لَا يَرَدُّهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، وَقِتَالِ أَعْدَائِهِ، وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، لَا يَرُدُّهُمْ عَنْ ذَلِكَ رَادٌّ، وَلَا يَصُدُّهُمْ عَنْهُ صَادٌّ، وَلَا يَحِيكُ فِيهِمْ لَوْمُ لَائِمٍ وَلَا عَذَلُ عَاذِلٍ." [2] "
وعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: أَمَرَنِي خَلِيلِي - صلى الله عليه وسلم - بِسَبْعٍ:"أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ، وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي، وَلَا أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي، وَأَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ بِالْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَخَافَ فِي اللهِ لَوْمَةَ"
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:724،بترقيم الشاملة آليا) -
(2) - تفسير ابن كثير ت سلامة (3/ 136)