فهرس الكتاب
أَيْضًا مَرْفُوعًا:" «قُلْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ; فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ» ".وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَاهُ فَقِيلَ: سَمَّى هَذِهِ الْكَلِمَةَ كَنْزًا ; لِأَنَّهَا كَالْكَنْزِ فِي نَفَاسَتِهِ وَصِيَانَتِهِ مِنْ أَعْيُنِ النَّاسِ، أَوْ أَنَّهَا مِنْ ذَخَائِرِ الْجَنَّةِ أَوْ مِنْ مُحَصِّلَاتِ نَفَائِسِ الْجَنَّةِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمَعْنَى أَنَّ قَوْلَهَا يَحْصُلُ ثَوَابًا نَفِيسًا يُدَّخَرُ لِصَاحِبِهِ فِي الْجَنَّةِ انْتَهَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ الْعَاجِلَةِ: فَمَنْ قَامَ بِهَا وَأَدْرَكَ مَعْنَاهَا وَاسْتَمَرَّ عَلَى مَبْنَاهَا، فَإِنَّهُ ظَفِرَ بِكَنْزٍ عَظِيمٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى كُنُوزٍ لَا يَعْرِفُ كُنْهَهَا وَمُنْتَهَاهَا، فَقَدْ رَوَى الْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُهَا، فَقَالَ:"تَدْرِي مَا تَفْسِيرُهَا؟"قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ:"لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ» ".قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: هِيَ كَلِمَةُ اسْتِسْلَامٍ وَتَفْوِيضٍ وَأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا وَلَيْسَ لَهُ حِيلَةٌ فِي دَفْعِ شَرٍّ وَلَا قُوَّةٌ فِي جَلْبِ خَيْرٍ إِلَّا بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى، فَيَكُونُ صَاحِبُهَا فِي مُلْكٍ جَسِيمٍ وَكَنْزٍ عَظِيمٍ حَالَ كَوْنِهِ حَاضِرًا بِقَلْبِهِ مُشَاهِدًا فِعْلَ رَبِّهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ، فَصَحَّ مَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن:46] جَنَّةٌ فِي الدُّنْيَا وَجَنَّةٌ فِي الْعُقْبَى." [1] "
وقال الإمام ابن جرير عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَنَهَى النَّاسَ عَنْ شَيْءٍ جَمَعَ أَهْلَهُ، فَقَالَ: إِنِّي نَهَيْتُ النَّاسَ عَنْ كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ إِلَيْكُمْ نَظَرَ الطَّيْرِ- يَعْنِي إِلَى اللَّحْمِ- وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لا أَجِدُ أَحَدًا مِنْكُمْ فَعَلَهُ إِلا أَضْعَفْتُ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ شَدِيدًا عَلَى أَهْلِ الرَّيْبِ، وَفِي حَقِّ اللَّهِ صَلِيبًا حَتَّى يَسْتَخْرِجَهُ، وَلَيِّنًا سَهْلا فِيمَا يَلْزَمُهُ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ، وَبِالضَّعِيفِ رَحِيمًا رَءُوفًا" [2] "
وفي كتاب الزهد لابن أبي عاصم عن مُعَاوِيَةَ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ:"بَعَثَنِي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِفَتْحِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي الظَّهِيرَةِ فَأَنَخْتُ رَاحِلَتِي بِبَابِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ إِذْ خَرَجَتْ جَارِيَةٌ مِنْ مَنْزِلِ عُمَرَ فَرَأَتْنِي سَاحِبًا عَلَى ثِيَابِ السَّفَرِ فَانْصَرَفْتُ، فَقَالَتْ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ: يَا جَارِيَةُ هَلْ مِنْ طَعَامٍ؟"
(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3292)
(2) - تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري (4/ 207) صحيح مرسل