فهرس الكتاب
لَقِيَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ عَلَى بَعِيرٍ قَدِ اخْتَطَمَهُ بِحَبْلٍ أَسْوَدَ فَلَمَّا رَأَىهُ عُمَرُ تَبَسَّمَ ثُمَّ قَالَ: أَخِي، لَعَمْرِي لَمْ تُغَيِّرْكَ الدُّنْيَا بَعْدِي وَدَخَلَا. حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَ: أنا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِيهِ: قُلْتُ هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَكَأَنَّمَا ضَرَبْتُ وُجُوهَهُمْ، فَقَالَ: هَلْ تَرَى مَا أَرَى يَا خَالِدُ؟ قُلْتُ: أَرَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: لَمْ يَرَ هَؤُلَاءِ عَلَى صَاحِبِكَ ثِيَابَ قَوْمٍ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ فِي قِصَّةِ أَبِي عُبَيْدَةَ: فَلَمَّا رَأَىهُ قَالَ: هَذَا أَخِي مَرْحَبًا، هَذَا رَجُلٌ لَمْ تَغَيِّرْهُ الدُّنْيَا، فَمَا زَالَ يَقُولُ مَرْحَبًا حَتَّى دَخَلَا، فَلَمَّا نَزَلَ جَاءَهُ صَاحِبُ الْأَرْضِ، فَأَعْطَاهُ عُمَرُ قَمِيصَهُ لِيَغْسِلَهُ وَيُرَقِّعَهُ، وَقَطَعَ قَمِيصًا جَدِيدًا آخَرَ فَآتَاهُ بِهِ وَقَدْ أَعَدَّ قَمِيصَهُ فَأَعْطَاهُ الْجَدِيدَ، فَرَدَّهُ إِلَيْهِ وَقَالَ: ائْتِنِي بِقَمِيصِي، فَنَاوَلَهُ إِيَّاهُ" [1] "
فعمر رضي الله عنه نزل عنه عندما اختال في مشيته، ومثله السيارة الفارهة التي تحدث الفخر والكبر في القلب، مع ما توقع في قلوب بعض الفقراء من سوء الظن بالأمراء ونقص الثقة بهم وما تولد من الأحقاد في قلوب البعض إذا رأوا الأمراء يركبون السيارات الفارهة ويلبسون أغلى الثياب ويأكلون أنواع الطعام، والفقراء لا يجدون إلا القليل من حاجاتهم، فعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الجُهَنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ تَرَكَ اللِّبَاسَ تَوَاضُعًا لِلَّهِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ دَعَاهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنْ أَيِّ حُلَلِ الإِيمَانِ شَاءَ يَلْبَسُهَا» رواه الترمذي [2]
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ فِي الدُّنْيَا، أَلْبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"رواه أحمد وغيره [3]
(1) - الزهد لأبي داود (ص:90) (74) صحيح
(2) - سنن الترمذي ت شاكر (4/ 650) (2481) حسن -وَمَعْنَى قَوْلِهِ حُلَلِ الإِيمَانِ: يَعْنِي مَا يُعْطَى أَهْلُ الإِيمَانِ مِنْ حُلَلِ الجَنَّةِ""
(3) - مسند أحمد ط الرسالة (9/ 476) (5664) وشعب الإيمان (8/ 274) (5816 و5817) حسن لغيره
(مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ) :أَيْ ثَوْبَ تَكَبُّرٍ وَتَفَاخُرٍ وَتَجَبُّرٍ، أَوْ مَا يَتَّخِذُهُ الْمُتَزَهِّدُ لِيُشْهِرَ نَفْسَهُ بِالزُّهْدِ، أَوْ مَا يَشْعُرُ بِهِ الْمُتَسَيِّدُ مِنْ عَلَامَةِ السِّيَادَةِ كَالثَّوْبِ الْأَخْضَرِ، أَوْ مَا يَلْبَسُهُ الْمُتَفَقِهَةُ مِنْ لُبْسِ الْفُقَهَاءِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ السُّفَهَاءِ. (فِي الدُّنْيَا أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبُ مَذَلَّةٍ) :ضِدُّ الْمَعَزَّةِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) :أَيْ جَزَاءً وِفَاقًا؛ فَإِنَّ الْمُعَالَجَةَ بِالْأَضْدَادِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَنِ اخْتَارَ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ وَتَوَاضُعٍ لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ مَعَزَّةٍ فِي الْعُقْبَى، قَالَ الْقَاضِي: الشُّهْرَةُ ظُهُورُ الشَّيْءِ فِي شَيْئِهِ بِحَيْثُ يُشْهَرُ بِهِ صَاحِبُهُ، وَالْمُرَادُ بِثَوْبِ شُهْرَةٍ مَا لَا يَحِلُّ لُبْسُهُ، وَإِلَّا لَمَا رَتَّبَ الْوَعِيدَ عَلَيْهِ، أَوْ مَا يُقْصَدُ بِلُبْسِهِ التَّفَاخُرُ وَالتَّكَبُّرُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْإِذْلَالُ بِهِمْ وَكَسْرُ قُلُوبِهِمْ، أَوْ مَا يَتَّخِذُهُ الْمُسَاخِرُ لِيَجْعَلَ بِهِ نَفْسَهُ ضُحَكَةً بَيْنَ النَّاسِ، أَوْ مَا يُرَائِي بِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ، فَكُنِّيَ بِالثَّوْبِ عَنِ الْعَمَلِ وَهُوَ شَائِعٌ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ: أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ وَفِي النِّهَايَةِ: أَيْ أَيْ أَشْمَلَهُ بِالذُّلِّ كَمَا يَشْمَلُ الثَّوْبُ الْبَدَنَ. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (7/ 2782)